تشهد البلدات المسيحية في جنوب لبنان تزايدًا في المخاوف جراء تصاعد العمليات العسكرية والقصف الإسرائيلي، مما يعيد إلى الأذهان ذكريات قاسية من اجتياح عام 1978. ينتظر الأهالي بفزع مصير قراهم التي باتت ضمن نطاق “الخط الأصفر” الذي وضعته إسرائيل كمنطقة عازلة، مما يزيد من قلقهم من تكرار أحداث قاسية دفعتهم سابقًا لاتخاذ خيارات قسرية.
استعادة ذكريات الاجتياح
يمتد “الخط الأصفر” حاليًا ليشمل نحو 55 بلدة حدودية ولعمق يصل إلى 10 كيلومترات، مشابهًا للشريط الحدودي الذي أعلنته إسرائيل بعد اجتياحها لجنوب لبنان عام 1978، والذي كان يهدف آنذاك لحماية مناطقها الشمالية من هجمات منظمة التحرير الفلسطينية. وقد امتد الشريط حينها إلى عمق 20 كيلومترًا، قبل أن يتطور الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل عام 1982 ويستمر حتى الانسحاب في عام 2000.
أثناء تلك المرحلة، اضطر أهالي القرى الواقعة ضمن الشريط للتعاون مع القوات الإسرائيلية لضمان مقومات حياتهم اليومية.
مخاوف المجتمع المسيحي
يستحضر سكان البلدات المسيحية الحدودية كالقلية وعين إبل ورميش ودبل ذكريات مؤلمة من تلك المرحلة، ويخشى البعض من استمرار الحرب التي تهدد بتحويل قرى الجنوب إلى أراضٍ مدمرة. يقول أحد سكان القليعة، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن البلدة كانت “قلعة صمود” تمنعت ضد دخول المسلحين الفلسطينيين، بينما شعر الآخرون بأن الدولة تخلى عنهم، مما دفعهم إلى السعي للحماية بشتى الوسائل.
ويشدد على أن “التراخي الحكومي مع السلاح الفلسطيني أدى إلى هذا الواقع، واليوم نواجه الوضع نفسه مع استمرار سلاح حزب الله وعجز الدولة عن ضبط الأمن”. يضيف: “عاد الناس إلى الملاجئ مجددًا، وخيمت المخاوف من العزلة والحصار والاتهامات بالعمالة، حيث عانى البعض من التهديدات بسبب موقفهم الرافض لتسليم قراهم لمنصات إطلاق نار من قبل حزب الله”.
رأي رئيس بلدية عين إبل
لا ينكر رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، المخاوف المستمرة من إعادة تكرار السيناريو المؤلم. ويشير في حديثه إلى أن “الوضع اليوم قد يكون أصعب من الماضي بسبب الاستقالة الواضحة للدولة وأجهزتها، حيث كانت الحركات الجانبية أكثر مرونةً في السابق”.
ويضفي خريش أن التواصل مع القوات الإسرائيلية غير موجود، مؤكداً أن التنسيق قائم فقط مع لجنة الميكانيزم وقوات “اليونيفل”.
قضية العائلات اللاجئة
بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، هاجرت العديد من العائلات التي كانت خاضعة للاحتلال إلى الأراضي الإسرائيلية، خوفًا من انتقام محتمل. ورغم جهود الأحزاب المسيحية لحل تلك القضية، إلا أن الأمور لم تتغير كثيرًا. ومع إنشغال اللجان النيابية حاليًا بالتحضير لقوانين عفو، يعد ملف اللاجئين إلى إسرائيل أحد المطالب، بينما تتمسك قوى أخرى بإبعادهم عن العفو، استنادًا إلى قانون صدر في عام 2011.
ويشير المحامي والأستاذ الجامعي، الدكتور عادل يمين، إلى أن هذا القانون ينص على أن “المواطنين اللبنانيين من ميليشيا جيش لبنان الجنوبي الذين هربوا إلى الأراضي المحتلة يتعرضون للمحاكمة في حال عودتهم، بينما يسمح للمواطنين الآخرين وعائلاتهم بالعودة إلى لبنان ضمن قواعد محددة لاحقًا”.


