تسعى الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، إلى تعزيز قوتها الاقتصادية عبر استخدام العقوبات كوسيلة فعالة ضد خصومها السياسيين والاقتصاديين، مما يثير قلق الدول المستهدفة.
هيمنة الدولار وتأثير العقوبات
يقف في قلب هذه العملية، مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية. يمتلك هذا المكتب القدرة على فرض عقوبات شديدة عبر أوامر رئاسية وقوائم سوداء، مما يجعل من السهل فصل دول وبنوك وشركات كبرى عن نظام الدولار العالمي.
تستند قوة المكتب إلى عاملين رئيسيين. الأول هو هيمنة الدولار كعملة احتياطية عالمية، مما يجعل معظم المعاملات الدولية الخاصة بالنفط والشحن والتكنولوجيا تُجرى من خلال بنوك أمريكية. وعند إدراج أي كيان في قائمة “المواطنين المحددين والأشخاص المحظورين”، تُجمّد جميع أصوله في الولايات المتحدة، ولا يُسمح بالتعامل معه من قبل أي مواطن أو شركة أمريكية.
آلية العقوبات الثانوية
أما العامل الثاني فهو العقوبات الثانوية، حيث تفرض واشنطن على الدول خياراً واضحاً: التعامل مع الولايات المتحدة أو مع إيران، لكن ليس مع الاثنين معا. النتيجة هي أن العديد من الشركات والبنوك حول العالم، وخصوصاً في أوروبا وآسيا، تفضل الامتثال للشروط الأمريكية للوصول إلى السوق والنظام المالي الخاص بالدولار.
تركز الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران على مسارين رئيسيين: تصدير النفط والوصول إلى النظام المصرفي الدولي. إن إعادة فرض العقوبات على قطاع الطاقة الإيراني أضر بشكل كبير بعائدات طهران من العملات الأجنبية، ودفع قيمة الريال الإيراني إلى الانخفاض، ورفع معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة. كما يسعى المكتب لتعطيل الشركات والشبكات المالية المستخدمة من قبل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس.
أهداف العقوبات الأمريكية
ويستهدف المكتب أيضاً تجفيف مصادر تمويل “محور المقاومة”، بما في ذلك جماعات مثل حزب الله والحوثيون في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا.
يعتبر مكتب (OFAC) رمزاً واضحاً لفائض الهيمنة الأمريكية، مما جعل موسكو وبكين تسعيان بنشاط لإنشاء أنظمة بديلة. فعلى سبيل المثال، عانت روسيا، بعد الأزمة في أوكرانيا، من موجة عقوبات غير مسبوقة، وبدأت في تعزيز علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع دول مختلفة، عبر اعتماد آليات تجارية وأنظمة تسوية مالية مستقلة.
استراتيجيات الصين وروسيا
في الوقت ذاته، تواصل الشركات الصينية الخاصة في قطاع الطاقة شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة، إلا أن البنوك الكبرى في الصين تأخذ حذرها من التعامل مع المكتب حرصاً على عدم فقدان وصولها إلى النظام المالي العالمي.
بالنسبة لإسرائيل، يُعتبر (OFAC) أداة استراتيجية مهمة، حيث تستفيد الاستخبارات الإسرائيلية من القوة القانونية والاقتصادية لوزارة الخزانة الأمريكية لفرض عقوبات ضد شركات وبنوك يُزعم ارتباطها بإيران.


