الإفلات من العقاب يهدد السلام

ملتقى الحوار يحذر من تفاقم انتهاكات حقوق الإنسان في إثيوبيا

spot_img

تقرير حقوقي يرصد القتل والاعتقال التعسفي والنزوح القسري والعنف الجنسي.. ويطالب بتحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بحق المدنيين

حذر ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان من التداعيات الخطيرة لاستمرار النزاعات المسلحة في إثيوبيا، مؤكدًا أن غياب المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، واستمرار الإفلات من العقاب، يشكلان تهديدًا مباشرًا لفرص تحقيق العدالة وإرساء السلام المستدام، خاصة في إقليمي تيغراي وأمهرا.

جاء ذلك في تقرير أصدره الملتقى، اليوم الاثنين، بعنوان «المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة: دراسة حالة تجدد الصراع في تيغراي وأمهرا»، تناول الأوضاع الحقوقية والإنسانية في مناطق النزاع، ومدى التزام السلطات الإثيوبية بواجباتها القانونية تجاه حماية المدنيين، إلى جانب تقييم مسارات العدالة الانتقالية وآليات المساءلة الوطنية والإقليمية والدولية.

وأكد التقرير أن الإفلات من العقاب لم يعد مجرد نتيجة للنزاعات المسلحة، بل تحول إلى أزمة حقوقية قائمة بذاتها، تسهم في تهيئة الظروف لتكرار الانتهاكات، وتقويض الثقة في مؤسسات العدالة، وحرمان الضحايا من حقوقهم في الإنصاف وجبر الضرر.

انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في تيغراي وأمهرا

ورصد التقرير أنماطًا متعددة من الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في مناطق النزاع، شملت القتل غير المشروع، والاعتقال التعسفي، والنزوح القسري، والتعذيب وسوء المعاملة، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، فضلًا عن تدمير الممتلكات المدنية والمنشآت الحيوية، وفرض قيود تعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.

وسلط الضوء على استمرار التداعيات الإنسانية للنزاع في إقليم تيغراي، خاصة الأوضاع الصعبة التي يواجهها النازحون، والقيود التمييزية المفروضة على السكان، إلى جانب المخاطر الناجمة عن العمليات العسكرية والضربات الجوية في المناطق المأهولة بالسكان.

وفي إقليم أمهرا، استعرض التقرير انتهاكات منسوبة إلى أطراف النزاع، من بينها عمليات قتل خارج نطاق القضاء، واستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، فضلًا عن القيود التي تحول دون وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المتضررين، بما يفاقم معاناتهم ويزيد من خطورة الأوضاع الإنسانية.

ملتقى الحوار: الاعتبارات الأمنية لا تبرر انتهاك حقوق المدنيين

وشدد الملتقى على أن مسؤولية الحكومة الإثيوبية عن حماية السكان المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تظل قائمة في جميع الظروف، مؤكدًا أن مواجهة الجماعات المسلحة أو الاستناد إلى الاعتبارات الأمنية لا يمكن أن يكون مبررًا لارتكاب الانتهاكات أو شن هجمات عشوائية أو تعطيل وصول الإغاثة الإنسانية.

واستند التقرير إلى ما وثقته تقارير دولية، من بينها تقارير منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة، بشأن التضييق على العمل المدني والإعلامي، والمضايقات التي يتعرض لها الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان، إلى جانب أوجه القصور في إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الحكومية.

وأشار إلى أن استمرار هذه الممارسات، في ظل ضعف آليات المحاسبة، يفاقم أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، ويضعف فرص التوصل إلى تسويات قادرة على إنهاء دوائر العنف المتكررة.

تحذيرات من تعثر العدالة الانتقالية وغياب المحاسبة

وحذر ملتقى الحوار من أن تعثر مسار العدالة الانتقالية في إثيوبيا، وعدم إحراز تقدم كافٍ في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، يهددان فرص المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة ومؤسسات الدولة.

وأعرب التقرير عن قلقه إزاء انتهاء ولايات بعض آليات التحقيق والرصد الدولية والإقليمية، دون توفير بدائل فعالة ومستقلة تضمن استمرار توثيق الانتهاكات ومتابعة المسؤولية عنها، خصوصًا في ظل تجدد الأعمال العدائية.

وأكد أن غياب العدالة لا يقتصر تأثيره على حرمان الضحايا من حقوقهم، بل يمتد إلى إضعاف فرص منع تكرار الانتهاكات، ويجعل أي تسوية سياسية أو أمنية عرضة للانهيار ما لم تقترن بضمانات حقيقية للمساءلة واحترام سيادة القانون.

مطالب بتحقيقات مستقلة وتعويض الضحايا

ودعا الملتقى إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لحماية المدنيين ووضع حد للانتهاكات، في مقدمتها إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة وفعالة في جميع الادعاءات المتعلقة بالجرائم الجسيمة، وضمان محاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون، دون تمييز على أساس المناصب أو الصفات الرسمية.

كما طالب بتعزيز استقلال القضاء الإثيوبي، وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة، وإقرار برامج شاملة لجبر الضرر، تتضمن التعويض وإعادة التأهيل ورد الحقوق، إلى جانب وضع ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات مستقبلًا.

وشدد على أهمية تعزيز دور الآليات الأفريقية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، لمتابعة تطورات الأوضاع الحقوقية في إثيوبيا، ودعم جهود توثيق الانتهاكات والمساءلة عنها، وتشجيع التعاون مع الآليات المختصة لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الجسيمة من المحاسبة.

السلام المستدام في إثيوبيا مرهون بتحقيق العدالة

واختتم ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان تقريره بالتأكيد على أن معالجة الأزمة الإثيوبية لا يمكن أن تقتصر على وقف العمليات العسكرية أو التوصل إلى تفاهمات سياسية مؤقتة، وإنما تتطلب معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وإنهاء الإفلات من العقاب، وإعادة الاعتبار لحقوق الضحايا.

وخلص التقرير إلى أن تحقيق السلام المستدام في إثيوبيا يظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية حقيقية لإرساء العدالة، وترجمة الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين إلى إجراءات عملية قابلة للرصد والتقييم والمساءلة، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويعزز احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

اقرأ أيضا

اشترك في النشرة الإخبارية

اخترنا لك