كوبا.. ترمب يشدد العقوبات ويصعد التوتر مع هافانا

spot_img

تستمر كوبا في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذه المرة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تتميز بالتشدد، حيث يسعى لترسيخ السيطرة الاقتصادية وربما العسكرية في نصف الكرة الغربي. منذ توليه الرئاسة، جعل ترمب كوبا في مركز ستراتيجيته الإقليمية، معتبرًا أنها أصبحت «تهديدًا استثنائيًا» للأمن القومي الأمريكي بسبب تحالفاتها مع روسيا والصين.

مستجدات التصعيد الأمريكي تجاه كوبا

الجدير بالذكر أن هذا التصعيد ليس مجرد امتداد للخلاف التقليدي بين واشنطن وهافانا، بل يعكس تحولًا أوسع في العقيدة الأمريكية الجديدة. تسعى هذه العقيدة إلى تحقيق هيمنة كاملة على الأميركتين ومنع أي نفوذ منافس، سواء كان روسيًا أو صينيًا. وبذلك، يصبح ملف كوبا جزءًا من صراع دولي أكبر حول النفوذ والنظام العالمي المستقبلي.

وقد شهد التصعيد مؤخرًا تطورًا جديدًا، حيث وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (94 عامًا) بسبب حادثة وقعت عام 1996، عندما أسقطت مقاتلات كوبية طائرتين صغيرتين تابعتين لمنظمة «أخوة الإنقاذ» التي أنشأها منفيون كوبيون في ميامي. الحادث أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وتدهور العلاقات بين واشنطن وهافانا.

دور راؤول كاسترو في التاريخ الكوبي

راؤول كاسترو ليس فقط شقيق قائد الثورة فيدل كاسترو، بل هو شخصية محورية في التحولات التي شهدتها كوبا. ساهم في مواجهة غزو خليج الخنازير عام 1961، وكان وزير الدفاع لعقود. تولى قيادة البلاد بعد استقالة شقيقه فيدل لأسباب صحية عام 2006، ولا يزال له تأثير كبير في كواليس السياسة الكوبية.

خلال ولايته الثانية، اعتمد ترمب سياسة «الضغط الأقصى» ضد كوبا، التي تهدف إلى خنق الاقتصاد الكوبي ودفع النظام إلى الانهيار الداخلي. قيدت الإدارة الأمريكية السفر إلى الجزيرة، وزادت من القيود المالية على المؤسسات المرتبطة بالجيش الكوبي، وعززت الحصار الاقتصادي المفروض على الجزيرة منذ أكثر من ستة عقود.

التصعيد في العلاقات الأمريكية الكوبية

في 29 يناير 2026، أصدر ترمب أمرًا تنفيذيًا يحمل الرقم 14380، من خلاله أعلن حالة طوارئ وطنية مرتبطة بكوبا، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيدًا غير مسبوق. سمح القرار بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع القادمة من دول ثالثة تزود كوبا بالنفط، مما يهدف إلى تجفيف مصادر الطاقة لدى النظام الكوبي.

تساهم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي يرى كوبا كتهديد للأمن القومي الأمريكي، في تأجيج هذه التوترات. روبيو، الذي وُلد في ميامي لأسرة هاجرت من كوبا، يركز في تصريحاته على ضرورة اتخاذ تدابير صارمة تجاه كوبا.

كوبا كجزء من محور معادٍ

ترى الولايات المتحدة أن كوبا تشكل جزءًا من محور معادٍ يضم روسيا والصين، مما يمنح خصومها استثمارات استراتيجية بالقرب من سواحلها. لذلك، قام مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، بزيارة هافانا مطالبًا بتغييرات شاملة، تتضمن إصلاحات اقتصادية وإغلاق مراكز الاستخبارات الصينية والروسية.

من جهة أخرى، يبدو أن الإدارة الأمريكية تضع كوبا في قلب استراتيجيتها الجديدة لمنع أي نفوذ أجنبي يتمدد في «حديقتها الخلفية»، بعد أن نجحت في إضعاف النظام الفنزويلي. يتزايد الاعتقاد لدى البيت الأبيض بأن الوقت مناسب لتكرار السيناريو نفسه مع كوبا.

أزمة اقتصادية خانقة

أدى تشديد الحصار الاقتصادي إلى تفاقم الأزمة داخل كوبا، إذ تعاني الجزيرة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 11 مليون نسمة، من انقطاعات كهربائية يومية، وتوقف المدارس والجامعات في بعض المناطق، ونقص حاد في الوقود والأدوية. بالإضافة إلى ذلك، انهار قطاع السياحة مؤثرًا بشكل كبير على الاقتصاد الوطني.

رغم عدم إعلان واشنطن عن نيتها التدخل العسكري، فإن بعض المسؤولين الأمريكيين يعتبرون الخيار العسكري مطروحًا بجدية أكبر من السابق. تحول الوضع يعكس توجهًا خطيرًا مقارنة بالأشهر الماضية التي كانت تركز على الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. أضف إلى ذلك تاريخ العلاقات المشحونة بين كوبا والولايات المتحدة، حيث تسببت الأزمة في 1962 في تهديدات بحرب نووية.

جذور الصراع الكوبي الأمريكي

العداء التاريخي يعود إلى خمسينات القرن الماضي، حين دعمت الولايات المتحدة نظام فولغينسيو باتيستا، الذي اعتبره كثير من الكوبيين رمزًا للفساد. ثورة فيدل كاسترو عام 1959 أدت إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصًا بعد تأميم الممتلكات الأمريكية.

رغم انفراجة نسبية خلال عهد باراك أوباما، عاد التوتر مع ترمب، الذي شمل كوبا مجددًا في قائمة الدول الراعية للإرهاب وشدد العقوبات. اليوم، تواجه الجزيرة مرحلة مفصلية جديدة، حيث يعتقد ترمب أن النظام الكوبي على وشك الانهيار.

في ظل هذا الصراع، حذر الرئيس الكوبي من أن أي هجوم أمريكي سيؤدي إلى عواقب وخيمة. تبقى كوبا عالقة في صراع يتجاوز حدودها، يعكس تطورات النظام الدولي الجديد وموازين القوى المتغيرة. تحمل كوبا رمزية تاريخية كبيرة، حيث شهدت على مر العقود صراعات كبرى، وعلى الرغم من حجمها الصغير، إلا أنها لا تزال ساحة اختبار لطموحات القوى العظمى.

اقرأ أيضا

اشترك في النشرة الإخبارية

اخترنا لك