في كل مرة تتصاعد فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتحول منطقتنا إلى ساحة رسائل عسكرية متبادلة، وتصبح أراضٍ عربية مسرحًا لصراع لا تتحكم فيه.
الضربات الأخيرة وما تبعها من رد إيراني استهدف قواعد عسكرية أمريكية في عدد من دول الخليج، لم تكن مجرد تطور عسكري عابر، بل لحظة كاشفة، كاشفة لحقيقة جغرافيا سياسية معقدة، وكاشفة أكثر لحالة العجز العربي عن صياغة موقف موحد يحمي سيادته قبل أي شيء آخر.
القضية هنا ليست تأييد طرف ضد آخر، ولا الانحياز في صراع إقليمي متشابك المصالح، القضية أبسط وأعمق: ماذا يعني أن تتحول أراضٍ عربية إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى دولية وإقليمية؟ وأين تقف الكرامة والسيادة في معادلة كهذه؟
السيادة ليست شعارًا يُرفع في البيانات الرسمية، بل قدرة حقيقية على حماية الأرض والقرار.. وعندما تتعرض دول عربية لارتدادات صراع لا تملكه، يصبح السؤال مشروعًا: هل نملك منظومة دفاع عربي مشترك قادرة على الردع؟ أم أننا ما زلنا نعتمد على تحالفات خارجية تتغير حساباتها وفق مصالحها الخاصة؟
منذ سنوات، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة، أو جيش عربي موحد، يكون هدفه حماية الأمن القومي العربي وصون استقرار الدول بعيدًا عن التجاذبات الدولية.. في ذلك الوقت، بدا الطرح طموحًا أكثر مما هو واقعي في نظر البعض، وربما مؤجلًا في نظر آخرين.
اليوم، تبدو الفكرة أقل مثالية وأكثر إلحاحًا.
العالم لا يحترم إلا التكتلات القادرة على الدفاع عن مصالحها. أوروبا لديها منظوماتها الأمنية، وحلف شمال الأطلسي إطار واضح للتحرك المشترك، حتى القوى الإقليمية تبني تحالفاتها العسكرية وفق رؤى استراتيجية طويلة المدى.. أما العالم العربي، فرغم ما يملكه من إمكانات بشرية واقتصادية وعسكرية، لا يزال يفتقر إلى إطار موحد يضمن أن يكون قراره نابعًا من داخله.
الكرامة العربية لا تعني خوض الحروب، بل تعني امتلاك القدرة على منعها إن مست الأرض العربية، وتعني ألا تُستخدم القواعد والمنشآت والمجالات الجوية دون وجود مظلة عربية جامعة تضع حدودًا واضحة لما هو مقبول وما هو مرفوض.
قد يختلف السياسيون في التفاصيل، وقد تتباين الحسابات بين دولة وأخرى، لكن التحديات الكبرى لا تعترف بالفروق الصغيرة، حين تتعرض المنطقة بأكملها لاهتزاز أمني، يصبح الأمن جماعيًا أو لا يكون.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا لم يكن هذا التوقيت مناسبًا لإحياء فكرة الدفاع العربي المشترك، فمتى يكون؟ وإذا لم تدفعنا التطورات المتسارعة إلى مراجعة أولوياتنا، فما الذي سيدفعنا؟
إن الحاجة إلى جيش عربي موحد ليست دعوة للمواجهة، بل دعوة للتوازن.. ليست مشروع حرب، بل مشروع ردع. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ في ميزان القوة لا يبقى فراغًا، بل تملؤه قوى أخرى وفق مصالحها.
المنطقة اليوم أمام مفترق طرق: إما استمرار الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية تضع العرب في قلب الصراع دون أن يكونوا أصحاب القرار، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها التنسيق الحقيقي، والتكامل العسكري، ورؤية استراتيجية عربية خالصة.
قد يكون الطريق صعبًا، لكن الأصعب أن يبقى القرار العربي موزعًا بين العواصم الكبرى، بينما تُختبر السيادة على أرضه.
في زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لم يعد السؤال هل نحتاج إلى موقف عربي موحد، بل لماذا تأخرنا كل هذا الوقت في بنائه.


