أعلنت الولايات المتحدة، عبر مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، أن واشنطن لا ترى مستقبلاً للقيادتين العسكريتين في السودان، وتدعو إلى انتقال سريع إلى حكم مدني بعيدًا عن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
رفض أميركي لبقاء قيادات الحرب
أوضح بولس خلال حديثه في قمة الإعلام العربي في دبي أنه “لا مستقبل لأي من الزعيمين في البلاد”، مشددًا على أهمية تحقيق انتقال مدني سريع يكون بعيدًا عن البرهان وحميدتي. وأكد أن هذا التحول هو المسار الوحيد الذي تدعمه الولايات المتحدة بعد الحرب.
تمثل تصريحات بولس أقوى إعلان أميركي حتى الآن بشأن مستقبل القيادتين العسكريتين، حيث تجاوزت الدعوات التقليدية لدعوة إلى وقف إطلاق النار، معتبرةً أن البرهان وحميدتي غير مُرحب بهما ضمن الترتيبات السياسية المطلوبة.
أسئلة حول الانتقال المدني
تثير الموقف الأميركي العديد من التساؤلات، منها: كيف يمكن إبعاد رجلين يقودان أكبر قوتين مسلحتين في البلاد؟ ومن يستطيع إدارة الانتقال المدني في ظل عدم استقرار مؤسسات الدولة وتزايد القوى المسلحة؟
على الرغم من تصريحات بولس، فإنها لا تعني أن واشنطن أصدرت قرارًا رسميًا بتنحية البرهان أو حميدتي. إلا أنها تعكس تحولاً مهمًا في السياسة الأميركية، بالانتقال من محاولة إقناع القيادات العسكرية بوقف القتال إلى إعلان واضح أنه لا مكان لهما في القيادة السياسية المقبلة.
التزام أميركي رغم العقبات
أكد بولس التزام الولايات المتحدة بخريطة الطريق المرسومة مع شركائها لإنهاء النزاع، رغم اعترافه بأنها لم تُحقق نتائج ملموسة. وأشار إلى أن مسؤولية عدم إحراز تقدم تقع على عاتق الأطراف المشاركة، وأن تحقيق نتائج حقيقية يتطلب تنفيذ الخطة بشكل فعال.
تزامن التصريحات الأميركية الجديدة مع تصاعد الضغوط على طرفي النزاع، حيث تسعى واشنطن لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى الطلب بهدنة إنسانية وإيقاف الدعم الخارجي المكّن للطرفين من مواصلة القتال.
جوانب من المقاربة الأميركية
تعكس المقاربة الأميركية، كما يظهر من تصريحات بولس، عدم المساواة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع من حيث الوضع المؤسسي. إذ ترفض أن يُستخدم الوضع الرسمي للجيش كذريعة لاستمرار البرهان في السلطة، أو لاحتكار المؤسسة العسكرية للعملية السياسية.
يأتي هذا في الوقت الذي دعا فيه رئيس أركان الجيش ياسر العطا إلى تأسيس نظام يتواصل فيه البرهان لفترات انتخابية عديدة، مما يتعارض مع الرؤية الأميركية الداعية إلى الانتقال السريع نحو حكم مدني.
الشرعية والتحولات السياسية
في سياق الصراع على الشرعية، تدعم سلطة بورتسودان البرهان كرئيس لمجلس السيادة، بينما تُصرّ واشنطن على إبعاده عن المشهد السياسي. وعلى الرغم من تصاعد الضغوط الأميركية، فإن ذلك لا يعني أن واشنطن تعتبر الدعم السريع بديلاً سياسياً مفضلاً.
تُبقي الإدارة الأميركية على توصيف الانتهاكات المرتبطة بقوات الدعم السريع، بما في ذلك الاتهامات بالإبادة الجماعية والعنف. على الرغم من تقبّل قوات الدعم السريع لهدنة إنسانية، إلا أنها تظل مشكوكًا في تعهداتها العسكرية.
الدور المدني في المرحلة المقبلة
تنظر القوى المدنية في السودان بإيجابية تجاه الموقف الأميركي الداعي لإبعاد قيادات الحرب عن المرحلة الانتقالية. حيث يشدد طه عثمان إسحق، نائب رئيس لجنة الاتصال السياسي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود”، على ضرورة بناء دولة مستقلة لا تخضع لتأثير أي طرف عسكري.
وفي حال أراد البرهان أو حميدتي حكم البلاد، يتم ذلك من خلال الانتخابات، وليس من خلال القوة العسكرية. وتؤكد القوى المدنية أن أي محاولة لاستغلال الوضع العسكري لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفشل والانهيار.
رؤية مستقبلية لقادة السودان
رغم أن بولس لم يعين شخصيات معينة لقيادة السودان، إلا أن الموقف الأميركي يحدد مواصفات السلطة المدنية البديلة. وهو ما يتطلب عملية سياسية سودانية قائمة على وقف القتال وتوحيد مؤسسات الدولة.
طرح مراقبون عدة تصورات للمرحلة المقبلة، منها تشكيل سلطة مدنية انتقالية تضم قوى سياسية ومهنية لم تشارك في الحرب، إلى جانب خطط لحماية وقف إطلاق النار ومراقبة العمليات الأمنية.
اختبار العمل الأميركي الفعلي
تكمن أهمية تصريحات بولس في توضيح السياسة الأميركية القادمة، لكن السؤال يبقى حول كيفية تنفيذها. يتطلب إبعاد القيادات العسكرية خطوات فعلية تشمل وقف تدفق السلاح، وتوسيع العقوبات، وضمانات للمدنيين.
تظهر التحديات الأساسية في عدم قدرة القوى المدنية على فرض الالتزام، بينما يصرّ البرهان ورفاقه على التحكم بمؤسسات الدولة. فهل ستستطيع واشنطن تحويل هذه الرؤية إلى واقع فعلي؟ هذا هو الاختبار الحقيقي أمام السياسة الأميركية في السودان.


