أعادت أزمة نقص المحروقات التي شهدتها ليبيا مؤخرًا، قضية الدعم إلى الساحة مجددًا، مع تنامي عمليات تهريب الوقود، وسط وعود حكومية بمكافحة تلك الظاهرة.
أزمات الوقود والتهريب
يعتبر المراقبون أن أزمة الوقود المتكررة تُشكل أحد أقسى التحديات المعيشية في البلاد، التي تُعد غنية بالنفط، حيث يتضاعف التعقيد مع تزايد النقاشات حول مقترحات رفع الدعم كحل رئيسي للتدخل في الاختلالات الهيكلية السابقة، وهو ما يثير انقسامًا حول الفوائد والمخاطر المرتبطة بالقرار.
يرى المدافعون عن رفع الدعم أن انخفاض أسعار الوقود مقارنة بالدول المجاورة يُعتبر الدافع الرئيسي لزيادة عمليات التهريب، مُشيرين إلى أن الدولة تتحول إلى “ممول غير مباشر” لشبكات تُهدر جزءًا كبيرًا من عائدات الوقود، والتي تقترب فاتورتها السنوية من 9 مليارات دولار. كما طالبوا بتحويل الدعم إلى “بدل نقدي” للمواطنين.
مخاوف من الغلاء العاجل
على الجانب الآخر، يُقر المعارضون بضرورة إصلاح نظام المحروقات، لكنهم يحذرون من أن رفع الدعم بشكل مفاجئ، خاصة في ظل تدهور قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، قد يؤدي إلى موجات غلاء شاملة.
يعتبر رجل الأعمال الليبي، حسني بي، من أبرز المدافعين عن إلغاء الدعم واستبداله ببدل نقدي للحد من التهريب. في تدوينة له على فيسبوك، استشهد بتصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، التي أشارت إلى تكلفة استيراد المحروقات التي تجاوزت مليار دولار خلال شهر مايو، محذرًا من أن دعم الوقود “يُهدر نحو 30% من الإنتاج النفطي” و”يساهم في تغذية صراع المجموعات المسلحة” في المناطق الغربية التي تتنازع حول حصص الوقود”.
دعوة لرفع الدعم تدريجيًا
تُعد ليبيا من أرخص دول العالم في أسعار البنزين، حيث يصل سعر اللتر إلى حوالي 0.15 دينار. لكن، هذا لا ينعكس على أرض الواقع حيث يتكرر نقص الوقود ويظهر طوابير طويلة أمام المحطات. يُشار إلى أن سعر الدولار يعادل 6.36 دينار ليبي في السوق الرسمية.
يطالب الناشط السياسي جعفر الأنصاري، من مدينة أوباري، برفع الدعم عن المحروقات ولكن بشكل تدريجي، للحد من التهريب وضمان توفير الوقود في البلاد. وأشار إلى أن الجنوب الليبي عانى خلال عيد الأضحى من نقص شديد، مما إجبر المواطنين على شراء اللتر الواحد من السوق السوداء بسعر عشرة دنانير.
انقسام سياسي حول القضية
تعكس ليبيا حالة من الانقسام السياسي بين حكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، التي تُدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب بدعم من القائد العام للجيش الوطني، المشير خليفة حفتر.
يرجع رئيس حزب “التجديد الليبي”، سليمان البيوضي، حماسة البعض لمقترح رفع الدعم إلى “التوصيات التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية”، مُحذرًا من أن هذا القرار سيزيد الضغط على الفئات ذات الدخل المحدود. ويؤكد في حديثه أن الحلول يجب أن تركز على إصلاح جذري لأزمة الوقود التي تعود جذورها إلى الفساد والتهريب، وليس فقط دعم الأسعار.
تحديات جديدة مع الأسعار الحالية
أقر عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، بأن معظم الليبيين يرغبون في إنهاء تهريب المحروقات، لكنهم يشددون على أهمية معالجة الاختلالات الاقتصادية والأمنية قبل أي تعديل لأسعار الوقود، لتفادي تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وأشار إلى أن رفع سعر البنزين إلى مستويات قريبة من الأسعار العالمية سيؤدي إلى زيادة في تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية، مما ينعكس على أسعار الصرف، بينما يعاني المواطنون من الأعباء المعيشية وغياب الرقابة على الأسواق.
مع استمرار النقاشات بين السياسيين والخبراء، يتفق المواطنون على الحاجة إلى دراسة معمقة لأي مبادرة تستهدف رفع الدعم، تجنبًا لتحميلهم التكاليف بمفردهم، خاصة وأن الوقود المدعم يعد آخر ميزة تُعتبر لأبناء الدولة النفطية. وكما تم طرح تساؤلات حول أسباب ارتفاع فاتورة واردات الوقود من مليار دولار بين 2016 و2019 إلى نحو 9 مليارات دولار في عام 2024، مما يثير الشكوك حول تهريب ما بين 30 إلى 40 بالمئة من الوقود.
كما دعا بن شرادة إلى الاستفادة من التجارب الدولية التي اعتمدت الرفع التدريجي للدعم، وربطتها بنظام رقمي وحصص مدعومة للمواطنين والمتعاملين. تُنتج ليبيا حوالى 1.43 مليون برميل نفط يوميًا، مما يُعطي إشارة إلى الإمكانيات الكبيرة المتاحة إذا تم استغلالها بشكل صحيح.


