يتجدد الجدل في لبنان حول ملف السلاح الفلسطيني، حيث تُعتبر هذه القضية أكثر من مجرد مسألة أمنية، إذ تمثل مأزقًا مُعقدًا يمسّ السيادة الوطنية. تعكس هذه الوضعية التشابك بين حق العودة وعمليات اللجوء، بينما تؤكد على وجود تنظيمات مسلحة تدير جيوبًا شبه مستقلة داخل المخيمات، في وقت تراقب فيه الدولة الوضع من بعيد، متحسِّرةً على هواجس الحروب الأهلية واحتمالات الانفجار.
مسار السلاح الفلسطيني
بدأت مشكلة السلاح الفلسطيني في لبنان مع تدفق اللاجئين عام 1948، ولكن التحول الجذري وقع عام 1969 عندما وقعت “منظمة التحرير” الفلسطينية “اتفاق القاهرة” مع الدولة اللبنانية بوساطة مصرية. أتاح الاتفاق للفصائل الفلسطينية حرية الحركة العسكرية جنوباً وصلاحيات أمنية داخل المخيمات، مما أدى إلى إنشاء “دولة داخل الدولة” كما يشير معارضو الوجود الفلسطيني المسلح.
على الرغم من إلغاء البرلمان اللبناني لهذا الاتفاق عام 1987، إلا أن واقع المخيمات بقي خارج نطاق السيطرة، وواصل الجيش اللبناني مُنعه من دخولها، مما نتج عنه وضع قانوني غير طبيعي لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
الأزمات والصراعات
لم يبقَ السلاح الفلسطيني بعيدًا عن الأحداث اللبنانية، بل ساهم بشكل كبير في الحرب الأهلية. تعرض أيضًا لاستهداف مباشر خلال الاجتياحات الإسرائيلية عامي 1978 و1982. في عام 2007، واجه الجيش اللبناني معركة دامية ضد تنظيم “فتح الإسلام” داخل مخيم نهر البارد، التي انتهت بانتصار مرير للجيش.
أسفرت هذه المعركة التي استمرت لأكثر من 100 يوم عن تدمير شبه كامل للمخيم ونحو 170 جنديًّا لبنانيًّا بالإضافة إلى مئات القتلى من المقاتلين والمتشددين والمدنيين. ورغم تعهد الدولة بإعادة الإعمار، إلا أن العملية واجهت تحديات بيروقراطية وسياسية، مما أدى إلى استمرار أكثر من ألفي عائلة في العيش في ظروف صعبة.
مخيمات خارج السيطرة
يتوزع الوجود المسلح الفلسطيني على 12 مخيمًا رئيسيًا، العديد منها خارج سيطرة الدولة اللبنانية. تتصدر المشهد فصائل مثل “فتح” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي”، بينما تواصل الفصائل التاريخية المدعومة من النظام السوري نشاطها خارج المخيمات.
في مخيم عين الحلوة، تعيش أكثر من 80 ألف نسمة وسط حالة من الفوضى وغياب السلطة. يتمتع المخيم بسمعة كونه بؤرة للاشتباكات بين الفصائل الفلسطينية والجماعات المتشددة، حيث تعود الأحداث الدموية مسرحًا متكررًا للصراع. المواجهات الأخيرة بين “فتح” ومجموعات إسلامية خلال صيف 2023 أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا وآلاف النازحين.
الأخطار المتزايدة
يرى المقيمون أن ما يحدث في المخيم يشبه “حربًا صغيرة تتكرر كل عام”. ورغم محاولات التهدئة، فإن جذور الأزمات أعمق من أن تُحلّ باتفاقات مؤقتة. ووفقًا لمصادر لبنانية، يتواجد داخل المخيم خلايا نائمة وأسلحة ثقيلة، مما يزيد من قلق الأمن القومي اللبناني.
في ديسمبر 2024، تمكن الجيش اللبناني من دخول مواقع لـ”الجبهة الشعبية – القيادة العامة” وصادر أسلحة كبيرة ضمن اتفاق مع السلطات. وكذلك في يناير 2025، انتُخب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، مُعلنًا أن “احتكار الدولة للسلاح” هدف غير قابل للتفاوض.
التحديات المستقبلية
على الرغم من تصريحات الجانبين اللبناني والفلسطيني حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، إلا أن التنفيذ يُشكل تحدياً في ظل وجود ذاكرة دموية وانقسام فلسطيني داخلي. يشير بعض الخبراء إلى أن التقدم يعتمد على وضع خريطة طريق واضحة، وأن التحدي لا يكمن فقط في إزالة السلاح، بل في استعادة سلطة الدولة لحماية المخيمات من الفوضى وصراعات إقليمية محتملة.


