لم يعد غريباً أن تستيقظ جماهير كرة القدم المصرية كل يوم على فصل جديد من مسلسل العبث الإداري والمالي، وكأن الأندية الجماهيرية الكبرى قُدر لها أن تظل رهينة في أيدي من لا يدركون قيمة الكيان الذي يمثلونه.
ما يحدث اليوم ليس مجرد كبوات رياضية عابرة، بل هو انهيار ممنهج في البنية الأخلاقية والإدارية، تُدار فيه القلاع الرياضية بمنطق “عزب الصاغة”، حيث تدار الأزمات بالمسكنات والشائعات، وحيث الملايين تُهدر وتختفي في طرق ملتوية تحت غطاء ما يُسمى بـ”التسويات الودية”.
1. أزمة شيكو بانزا في رواندا: هشاشة الإدارة وفوضى الشائعات
لنأخذ قضية اللاعب الأنجولي “شيكو بانزا” في رواندا؛ وليست العبرة هنا بمدى صحة الواقعة من بطلانها، بل بالكارثة الأكبر المتمثلة في هشاشة منظومتنا الرياضية التي أصبحت خصبة لإنتاج الشائعات والتشهير وانفلات السيطرة.
بدلاً من أن تفرض إدارة النادي هيبة الانضباط الداخلي وحسم الأمور بقرارات صارمة وشفافة تُغلق بها الأبواب أمام المتربصين، نجد أنفسنا أمام حالة من:
- التخبط والدفاع المتأخر عن النفس.
- التهديد المفرط باللجوء للنيابات وكأن بيوت الأندية أصبحت من زجاج.
- عجز إداري فاضح عن حماية تركيز الفريق وبث الاستقرار في نفوس اللاعبين.
2. لغز نادر السيد والـ100 ألف دولار: أين الرقابة على المال العام؟
أما الطامة الكبرى والأكثر دلالة على حجم الفساد المستشري، فهي تلك الحكاية الهزلية المرتبطة بالحارس الأسبق نادر السيد ومبلغ الـ100 ألف دولار الخاص بتسوية أزمة الغاني بنيامين أتشيمبونج.
بالله عليكم، كيف يُعقل في نادٍ بحجم الزمالك أن تُسلم أموال طائلة لوسطاء دون رقابة صارمة أو وثائق رسمية تحمي حقوق الخزينة؟
وكيف يتحول النادي – الذي يئن أصلاً من مديونيات خانقة وحجز على الأرصدة – إلى “تكية” تُصرف فيها آلاف الدولارات في الهواء، ثم لا يعلم أحد أين ذهبت إلا بعد أن تتدخل جهات التحقيق والنيابة العامة لتنقذ ما يمكن إنقاذه؟
3. أسئلة بلا إجابات وسقوط منظومة الوهم
إن ما حدث في واقعة نادر السيد وسداد المبلغ لا يغلق الملف تماماً، بل يفتح الباب على مصراعيه لأسئلة لا تبحث عن إجابات بل عن محاسبة حقيقية:
أين كانت العيون الرقابية حين خرجت هذه الأموال؟
ولماذا تُترك أموال الأعضاء والجماهير عرضة للاجتهادات الشخصية وعمولات الوسطاء؟
إن هذه الفضائح المتتالية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام أزمة منظومة بأكملها، منظومة تدار بفكر الهواة وسط أموال محترفين، حيث تصبح مصالح الأشخاص فوق مصلحة الكيان.
جماهير الأندية الكبرى لم تعد تحتمل مزيداً من العبث، ولم تعد تخدعها بيانات التبرير المعلبة أو التهديدات الصوتية الفارغة.
ناقوس الخطر
الوسط الرياضي المصري بحاجة ماسة إلى “غربلة” جذرية، وتطهير شامل من العشوائية والذمم المرتعشة، قبل أن يتحول التاريخ العريق لهذه الأندية إلى مجرد ركام تُذروه رياح الفساد والإدارة الفاشلة.
أفيقوا.. قبل أن تصبح القلعة البيضاء وغيرها أثراً بعد عين!


