العالم اليوم: حروب غير تقليدية ونظريات استراتيجية متجددة
تشير توقعات الخبراء الاستراتيجيين إلى أن العصر الحالي يتميز بسمات اللاتماثل، حيث يعاني العالم من تحول جذري في نظامه الجيوسياسي. يعبر هذا التحول عن تراجع فعالية الدبلوماسية التقليدية وتزايد دور الحرب الإعلامية إلى جانب المعارك الفعلية، مما يولد نظريات جديدة للنصر.
نظريات جديدة للنصر
يتساءل الكثيرون عن كيفية قياس النصر في ظل الظروف الحالية. هل يُعتبر الانتصار حقيقة فقط لأنه لم تتحقق هزيمة؟ وبعض الفرضيات تشير إلى أن معيار النجاح قد لا يعتمد على نسبة الأهداف التي حققها الخصم، بل قد يتوقف على تفادي انهيار النظام حتى وإن كان ذلك على حساب البلاد والمجتمع.
في هذا السياق، يُبرز مصطلح “المُعطّل” دوره في إعادة تشكيل العلاقات الدولية. على الرغم من انعدام المماثلة في العالم الرقمي، فإن العلاقات بين الدول وسلاسل التوريد تتسم بالتفكك. ويُطرح سؤال جديد حول ميزان القوى وكيفية تعريف قوة الدولة، سواء في المجالات العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، учитывая انخفاض تكلفة الحرب مما يسمح لجهات غير حكومية بالاستعانة بتكنولوجيا متطورة وتحويلها إلى أسلحة.
فن الحرب في القرن الواحد والعشرين
تجارب الحرب والانعكاسات الحديثة تضعنا أمام تساؤلات حول فن الحرب في هذا السياق المتغير. يوضح المفكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه “فن الحرب الجديد” أن الطريقة التقليدية لتحقيق النصر أصبحت غير كافية، حيث يتحتم على الحروب الحديثة تعطيل أنظمة الخصوم وخلخلة إدراكهم باستخدام أدوات بسيطة وغير مكافئة.
يسلط الصحافي البريطاني جنان غانيش في مقال له الضوء على “قرن الانسداد”، ذاكرًا أن هذه الظاهرة تؤثر حتى على القوى العظمى. روسيا غارقة في أوكرانيا، فيما تبحث أميركا عن استراتيجيات جديدة في الخليج، بينما تتعلم الصين من تلك التحديات لتحديد استراتيجيتها تجاه تايوان.
الاستقرار بكافة أشكاله
حين نظرنا إلى مفهوم الاستقرار في الماضي، كان يعني انتصار طرف على آخر، لكن الآن نتجه نحو فهم جديد يقوم على فكرة “الانسداد” حيث لا غالب ولا مغلوب، مما يجعل التعايش مع الواقع تحديًا رئيسيًا.
تجسد التجربة الكورية مثالًا واضحًا حيث تتواجد منطقة عازلة ووقف إطلاق نار، دون توقيع معاهدة سلام. يشير هذه الوضع المعقد إلى احتمال تكرار سيناريو مشابه في أوكرانيا، خاصة في إقليم الدونباس الذي تسعى روسيا للسيطرة عليه.
في خضم هذه التغيرات، يطرح التساؤل حول مدى فعالية نظريات الجغرافيا السياسية التي وضعها المفكرون الغربيون بعد الثورة الصناعية. هل المباديء القديمة ما زالت صالحة في عصرنا الحالي؟
التحديات الجيوسياسية للنظريات القديمة
في رؤيته لجغرافيا القوى، كان هالفورد ماكندر يرى أن السيطرة على السهل الأوراسي تعني السيطرة على العالم. بينما طرح نيكولا سبايكمان نظرياته حول الحافة الساحلية لأوراسيا. لكن هل لا تزال هذه النظريات مناسبة لعالمنا اليوم؟
تستمد الصين قوتها من مبادرة “الحزام والطريق” التي تجمع بين نظريتي ماكندر وسبايكمان. يعاني الريملاند فعليًا من تعقيدات الوضع الجيوسياسي الحالي والتنافس الهندي – الباكستاني. وفي ظل الاستراتيجيات الحالية، قد يتجه مركز الثقل نحو شرق آسيا، مما يعكس تحولًا في الجغرافيا السياسية.
تأثير الثورة التكنولوجية في الحروب
تستمر العمليات العسكرية في التغير، حيث ألقت التغيرات التكنولوجية بظلالها على فهم العسكريين للأعمال الحربية. اليوم، قد تنفذ الشركات الناشئة التقنيات العسكرية في زمن قياسي، مما يؤدي إلى تداخل صناعة الأسلحة مع قطاع التكنولوجيا بشكل متزايد.
تحاكي هذه السياسات نماذج القتال القديمة، إلا أن الثورة التكنولوجية تعني أن الشركات الخاصة قد أصبحت بتوجيه الحرب، مما يزيد من تعقيد العملية العسكرية ويجعلها أكثر شفافية.
في النهاية، تبقى الأسئلة الكبيرة قائمة: هل نحن على أعتاب عصر من الحروب المستمرة ذات التكاليف المنخفضة، حيث تتراجع النماذج التقليدية أمام الإصلاحات الجذرية اللازمة لمواجهة التحديات الجديدة؟ وهل يجب اعتبار “المُعطّل” و”اللادولتيّ” لاعبين مهمين في الساحة الجيوسياسية على حساب الدولة التقليدية؟


