في اللحظات الختامية لمناقشة بحث الحصول على زمالة كلية الدفاع الوطني، وبينما كانت عقارب الساعة تحاصرني تحت نظرات لجنة المناقشة الموقرة، سُرقت مني ثوانٍ كنت قد ادّخرتها لأبوح بامتنانٍ خاص. ولأن الأوراق الأكاديمية، رغم صرامتها، لا تخلو من نبض، وجدتُ لزامًا عليّ أن أخرج من حيز التوثيق العلمي إلى رحاب التوثيق الإنساني، لأتحدث عن “ملك”.

“ملك”.. ابنتي التي لم تكن مجرد شاهدة على رحلة شاقة استمرت عامًا كاملًا، بل كانت الركن الركين في هذا الإنجاز. لقد تشاركنا معًا سكون الليل وصخب الأفكار؛ كانت هي من تمنحني قوة الاستمرار حين يغالبني الإرهاق، وهي من تولّت، ببراعة وصبر، تصوير الأوراق ومراجعة المصادر معي حتى الساعات الأولى من الصباح، دون تبرم أو كلل.
إن البحث العلمي، في أرقى صوره، ليس مجرد جهد ذهني فردي، بل هو حالة من تكاتف الأرواح. وملك كانت “الجندي المجهول” الذي أضاء لي عتمة السهر، وساندني في لحظات القلق؛ فكانت صورتها وهي تجمع الأوراق وتنظم المراجع معي أبلغ من أي مقدمة شكر كُتبت في صدر هذا البحث.
يا ابنتي، إن انضباط الوقت في قاعة المناقشة حال بيني وبين ذكر اسمكِ جهرًا أمام الحضور، لكن اسمكِ محفور بمداد الفخر في ثنايا كل صفحة من صفحات هذا العمل. هذا النجاح ليس لي وحدي، بل هو حصاد يديكِ الرقيقتين اللتين ساندتا قلبي وعقلي.
إليكِ يا ملك، أهدي هذا الإنجاز، وأقول لكِ أمام الجميع:
“كنتِ وما زلتِ السند، والدافع، وأجمل استثمار في حياتي.. شكرًا لأنكِ كنتِ معي.”


