أبناء الجنوب اللبناني يعيشون معاناة مزدوجة بين الحزن والصمود
تتواصل معاناة أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية في لبنان، حيث يعيشون حالة من الصراع الداخلي بين الحزن والصمود، في ظل الظروف القاسية التي تفرضها الأوضاع الراهنة. تظل مشاعر الألم وحسرة الفقد تلقي بظلالها على الكثير من العائلات، بين من يجرؤ على التعبير عن أحزانهم عندما يواجهون خسائرهم، وبين من يخجل بسبب القيود الاجتماعية التي تمنعهم من ذلك.
قيود اجتماعية تكتم المشاعر
في الجنوب الذي يعاني من دمار شبه كامل، لا يُسمح للحزن بأن يأخذ حقه. يشعر الأم التي فقدت ابنها أو زوجها، والسيدة التي فقدت منزلها، والأب الذي فقد مصدر رزقه، جميعهم بتأثير منظومة اجتماعية تفرض عليهم كبت مشاعرهم. تتحول مشاعر الحزن إلى رقابة ذاتية تخيف المواطنين من التعبير عن ألمهم، إذ يُعتبر ذلك ضعفاً أو خيانة لمبدأ “المقاومة” الذي يتبناه «حزب الله».
في الضاحية الجنوبية والبقاع، تتشابه معاناة كثير من العائلات، حيث فقدوا بيوتهم وأحباءهم، مما يجعل التفاعل الطبيعي مع الألم يبدو وكأنه جريمة. هذه المشاعر تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت بمثابة محكمة اجتماعية تعاقب من يعبّر عن حزنه، خاصة من يلقي اللوم على من اتخذ قرار الحرب، «حزب الله».
تحديات التعبير عن الألم
تحدثت نور، وهي نازحة تعيش مع عائلتها في إحدى المدارس، قائلة: «لا أحد يعيش مكان غيره، كلنا نبذل جهدنا لتحمل هذه الظروف… لكن هناك من لا قدرة له على التحمل». وتضيف: «التعبير عن مشاعرنا يُواجه باتهامات جاهزة تُصنفنا كعملاء أو خونة». تكمل نور: «نحن كأننا شعب مهجور، وأولئك الذين ينتقدون من بعيد لا يعرفون ما نعيشه».
بينما تتحدث زينب عن الضغوط التي يواجهها من يحاول التعبير عن وجعه، مشددة على أن العائلات التي فقدت الكثير تُطلب منها التحلي بالصبر. وتصف واقعها، حيث فقدت منزلها الذي بنته مع زوجها على مدى عشرة أعوام، وتقول: «لا أعرف كيف سأعيد بناء مستقبل أولادي».
سردية مفروضة وكبت مستمر
في سياق هذه المعاناة، تشير الدكتورة منى فياض، أستاذة علم الاجتماع، إلى أن الوضع الحالي تحت سيطرة «حزب الله» يُظهر سياسة قمع الأصوات. توضح أنه في السابق كانت هناك نجاحات تغطي على الخسائر، لكن الأمور بدأت تتغير، ويظهر اليوم صوت مواطنين يتجرؤون على التعبير عن آلامهم.
تؤكد فياض أن اللبنانيين، خاصة من أبناء الجنوب، يعيشون في حالة تأرجح بين الأمل واليأس. يعيش الناس حالة انتظار في ظل غموض المستقبل، مما يؤدي إلى شعور متزايد بالقلق. تضيف: «المواطنون تحت ضغط مزدوج، ومع حظر التعبير، لا بد أن يظهر كل هذا الوجع في شكل آخر مع الوقت».
الألم يتزايد مع الضغوط المجتمعية
تتابع فياض أن أبناء الجنوب والضاحية يتعرضون لمعاناة مُركبة، يجتازونها في ظروف انعدام الأمن والنزوح، مع مئات الآلاف من المنازل المدمرة. وتقول: «تتعاظم هذه الأعباء عليهم، لكنهم ممنوعون من التعبير، مما يعني أن الضغط الداخلي قد ينفجر في أي لحظة».
تختتم بالقول إن الأوضاع الراهنة تخلق بيئة من غير المستدامة، حيث التحولات الاجتماعية قد تؤدي إلى انفجارات نفسية وجسدية، دون إعلان رسمي عن الانهيار أو الاعتراف بالهزيمة. إن الصدمة التي يعيشها الناس أصبحت واقعاً لا مفر منه، ولكن مع الوقت، من المتوقع أن تظهر نتائج هذه المعاناة في أشكال جديدة.


