روسيا تعزز انخراطها في الشأن الليبي وسط تزايد دور الولايات المتحدة
عززت روسيا من نشاطها الدبلوماسي في ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة، حيث استهدفت تعزيز التواصل مع الأفرقاء الليبيين بالتزامن مع تصاعد دور الولايات المتحدة في جهود التسوية والأمن في البلاد. يأتي هذا الحراك في ظل استمرار الانقسام السياسي الذي يعاني منه البلد منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، مما ساهم في زيادة حدة التنافس بين القوتين على النفوذ.
مبادرات دبلوماسية متعددة
على مدار أكثر من أسبوع، كثفت روسيا محادثاتها مع نظرائها في شرق وغرب ليبيا، أبرزها اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع وزير الخارجية الليبي المكلف الطاهر الباعور في موسكو. هذا النشاط جاء ضمن توجهات موسكو لإعادة بناء علاقاتها مع الأطراف الفاعلة في ليبيا، اعتراضًا على الدور المتزايد للولايات المتحدة.
تتحرك روسيا في هذا الاتجاه على الرغم من زيادة الدور الأمريكي، حيث نظمت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) مناورات “فلينتلوك” في مدينة سرت، بمشاركة قوات من كلا الجانبين، في خطوة تعكس أهمية تعزيز التعاون العسكري بين الفصائل المتنافسة. لم تعلق روسيا بشكل صريح على التفاؤل الأميركي، لكنها أبدت حرصها على أن يظل مستقبل ليبيا في يد الليبيين.
توازن القوى على الساحة الليبية
خلصت محادثات لافروف إلى التأكيد على أهمية النزاهة والحرية في اتخاذ القرارات من قبل الليبيين، دون تدخل خارجي. في هذا السياق، اعتبر الباحث الليبي محمد الجارح أن روسيا متوترة حيال هذا السياق، إذ تتعامل بحذر مع المبادرات الأمريكية، خاصة في ظل تعزيز دورها في الحوار الليبي.
وأضاف الجارح أن موسكو تسعى لفرض مسار محادثات تقوده المؤسسات القائمة، مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كنهج بديل للمبادرات الأمريكية. يُشير المحلل السياسي حازم الرايس إلى أن هذه التحركات الروسية تعكس حرص موسكو على الحفاظ على نفوذها في شرق ليبيا، مع التركيز على تعزيز العلاقات الدبلوماسية.
لقاءات استراتيجية مع القادة الليبيين
تجلت هذه الجهود في سلسة من اللقاءات التي قادها السفير الروسي أيدار أغانين، حيث التقى مع المشير خليفة حفتر وقادة آخرين في بنغازي، إضافة إلى المحادثات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة. كما تسلم الدبيبة دعوة رسمية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لحضور قمة “روسيا -أفريقيا”، مما يعكس مستوى التعاون بين الجانبين.
تتزامن هذه الحركات مع اقتراح منسوب إلى مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، يعيد ترتيب السلطة التنفيذية عبر تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، بينما يظل الدبيبة على رأس الحكومة. هذا يعكس سعي موسكو للتوازن بين المصالح في البلاد، حيث تواجه كل من موسكو وواشنطن تداخلًا متزايدًا في استراتيجياتهما.
المنافسة على النفوذ واستغلال الثروات
يرى الجارح أن ليبيا دخلت زمنًا يُشبه “سباق المبادرات” منذ خريف العام الماضي، حيث بدأ الدعم الروسي بالتحرك تجاه الاقتراحات السياسية بينما قوبل بتوجهات أمريكية مكثفة. يضيف الرايس أن روسيا ترغب في أن تظل صياغة قوانين الانتخابات بيد الهيئات القائمة، للاحتفاظ بإطارها الشرعي.
تتواصل الجهود العسكرية على الأرض، حيث يستمر وجود روسي في قواعد رئيسية مثل الجفرة وبراك الشاطئ، بما في ذلك عناصر مجموعة فاغنر. يشير الباحث الاقتصادي يوسف يخلف مسعود إلى أن النفط يبقى محور اهتمام مشترك لكل من موسكو وواشنطن، حيث عقدت شركات أمريكية اتفاقات مع الأطراف الليبية.
تُظهر المعطيات أن الأطراف الليبية تميل إلى تبني سياسة متوازنة في علاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة، مستندة إلى تجارب سابقة أفادت بخطور التجذر لطرف واحد. ليبيا حاليًا تشهد انقسامًا سياسيًا بين حكومتين: واحدة في الغرب تحت قيادة الدبيبة والأخرى في الشرق بقيادة أسامة حماد، مما يعكس واقع التنافس الدائم بين القوتين الدولتين في المنطقة.


