في إطار زيارة تحمل دلالات سياسية استراتيجية، وصل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر يوم الاثنين، حيث من المتوقع أن يتناول ملفات أساسية تتعلق بالأمن الإقليمي وقضية الهجرة. تأتي هذه الزيارة في ظل أجواء من التوتر الدبلوماسي القائم بين البلدين، بعد فترة من الجمود في العلاقات الثنائية.
استقبل الوزير الجزائرية سعيد سعيود نظيره الفرنسي في مطار العاصمة، غير أن البيان الرسمي لم يتطرق إلى تفاصيل المناقشات. وكشف مصادر صحفية فرنسية أن نونييز رافقه وفد أمني رفيع يضم كبار مسؤولي أجهزة الأمن الفرنسية، مثل مديرة الأمن الداخلي، سيلين بيرتون، ومدير الشرطة، لويس لورجي، ومدير الدرك، إيبرت بونو.
دلالات سياسية
تُعتبر هذه الزيارة الأولى لنائب وزيرة الداخلية الفرنسية منذ عهد الوزير السابق جيرالد دارمانان عام 2022. ويعتبرها البعض فرصة لتقييم استعداد الطرفين لاستئناف الحوار، خاصة بعد التوتر الذي أعقب اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء في صيف 2024.
الشهور الماضية شهدت تأزم العلاقات، بعد نشر وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو معلومات حول “إرادة قوية” لطرد المهاجرين غير النظاميين وإلغاء “اتفاقية 1968” المتعلقة بالهجرة والتجارة. هذه التطورات أثارت قلقًا عميقًا في الجزائر.
ملفات ساخنة
تركز الرهانات الحقيقية لهذه الزيارة حول ملفات معقدة، منها أوامر مغادرة التراب الفرنسي لمئات المهاجرين الجزائريين غير النظاميين الذين رفضت الجزائر استقبالهم. كما تصدرت قضية تصاريح المرور القنصلية الأجندة، وهي مستندات حيوية لعمليات الترحيل، والتي جمدت القنصليات الجزائرية إصدارها منذ فترة.
تدور نقاشات حادة في وسائل الإعلام الفرنسية حول ما تعتبره “عرقلة الجزائر المتعمدة” لهذا المسار. تتساءل الأوساط حول قدرة فرنسا على تحقيق اختراقات حقيقية في هذا الملف المعقد.
التعاون الأمني
يُعتبر الملف الأمني أيضًا أحد المحاور الرئيسية، خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والتهريب في منطقة الساحل. ويثير الشكوك حول إمكانية استئناف التعاون الأمني في سياق سياسي يتسم بعدم الثقة بين البلدين.
تُعتبر ملفات حقوق الإنسان حساسة أيضًا، مثل قضية الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز المحتجز في الجزائر، وقضية أمير بوخرص، اليوتيوبر الجزائري المعارض، مما يزيد من التوترات القائمة.
تحديات جديدة
تراجع نونييز عن بعض الشروط المسبقة التي طرحها سابقًا، بعد جولة من التصعيد الكلامي. كان قد ربط أي تقدم في العلاقات بملفين رئيسيين، وهما تسريع عمليات ترحيل المهاجرين وتقديم ضمانات بإعادة قبولهم من جانب الجزائر، والإفراج عن غليز الذي صدر بحقه حكم بالسجن.
لكن الجزائر، بوضوح، اعتبرت هذه الشروط لا تعنيها ورفضت أي ضغوط تمس بسيادتها. وأكد الرئيس عبد المجيد تبون أنه لن يتم الالتزام بأي شروط قبل دخول الطرفين في حوار مباشر.
آفاق الحوار
نتيجةً للضغوط السياسية، غير نونييز مواقفه، وتجنب التطرق إلى السياسات الرمادية التي قد تعيق جهود التقارب. يرى المراقبون أن هذه الزيارة تمثل فرصة للنقاش حول القضايا المعقدة دون الالتزام بشروط مسبقة تحول دون الوصول إلى حلول عملية.
ستبقى نتائج هذه الزيارة محل ترقب، في ظل تساؤلات حول ما إذا كانت ستفضي إلى نتائج ملموسة أو ستبقى مجرد صور استعراضية.


