في 5 فبراير 1919، شهدت ألمانيا انطلاق أول شركة طيران ركاب منتظمة، لتشكل بداية مهمة في تاريخ النقل الجوي.
انطلاقة تاريخية
جاءت هذه الخطوة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، في وقت كان فيه الاقتصاد الألماني بحاجة ماسة إلى وسائل نقل فعالة ومنخفضة التكلفة. عكفت ألمانيا، رغم الظروف القاسية التي مرت بها، على استكشاف سوق السفر الجوي المتنامي، مستفيدة من التطورات السريعة في تكنولوجيا الطائرات.
في خضم هذا التحول، ظهرت فكرة تحويل الطائرات العسكرية الفائضة لتستخدم في النقل المدني، حيث استُخدمت طائرات مثل “ألباتروس جي. 2″، التي كانت معروفة سابقًا كطائرة هجوم أرضي. تم تعديلها لتتضمن مقصورة مغلقة للركاب، في حين استمرت قمرة القيادة مفتوحة، مما جعل المسافرين يرتدون تجهيزات خاصة للتكيف مع الظروف الجوية الصعبة.
الرحلة الأولى
في فبراير 1919، انطلقت أول رحلة تجارية لشركة “الملاحة الجوية الألمانية”، حيث نقلت أربعة آلاف نسخة من إحدى الصحف من برلين إلى فايمار، بمدى حوالي 250 كيلومترًا. سرعان ما توسعت الخدمة لتشمل نقل الركاب والبريد، مما جعل هذه الطائرات تُعتبر الأولى في التاريخ التي تُستخدم للنقل المنتظم.
عقب هذه البداية، سعت الصناعة لتطوير قدراتها، حيث نجحت شركة “بي إم دبليو” في تصميم وإنتاج أول طائرة مدنية أصلية، ليصل عدد الطائرات الجديدة في الأجواء الألمانية إلى 15 طائرة بنهاية العام التالي.
التطور السريع
الشركة المشغلة، “دويتشه لوفتفارت”، التي كانت مملوكة للدولة، وعلى شعارها صورة طائر الكركي، شهدت خصخصة جزئية في عام 1922، وتحوّلت لاحقًا إلى شركة “لوفتهانزا” المعروفة اليوم.
لم تقتصر النجاحات على ألمانيا، بل انتشرت في مختلف أنحاء أوروبا، حيث أطلقت شركة “خطوط فارمان الجوية” خطًا جويًا يربط بين باريس وبروكسل في مارس 1919. تلتها رحلات يومية بين لندن وباريس من قبل شركة الطيران التي ستصبح لاحقًا “الخطوط الجوية البريطانية”، وتم تأسيس الخطوط الجوية الملكية الهولندية “كي إل إم” في أكتوبر 1919.
قطاع النقل الجوي
ازدهر قطاع النقل الجوي بشكل كبير منذ تلك البدايات، حيث لم يتجاوز عدد مستخدمي السفر الجوي 434 ألف مسافر في عام 1929، بينما تخطى هذا الرقم 4 مليارات مسافر في عام 2017، مع تقديرات تُشير إلى الوصول إلى 5.2 مليار مسافر بحلول 2026.
تشير الإحصاءات إلى وجود أكثر من 5000 شركة طيران عاملة على مستوى العالم. بحلول 2025، كانت الدول الخمس الرائدة في عدد المسافرين هي: الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا، الهند، وأيرلندا.
لوفتهانزا اليوم
تحولت “لوفتهانزا” إلى عملاق عالمي، تسير رحلاتها إلى 78 دولة و200 وجهة حول العالم. يتكون أسطولها من حوالي 620 طائرة، ومع إجمالي حركة مسافرين بلغت 104.5 مليون مسافر في عام 2013، تُعتبر واحدة من أكبر شركات الطيران على مستوى العالم.
تعكس قصة أول رحلة منتظمة في عام 1919 تحولًا جذريًا، حيث تجسد إرادة الإنسان في تجاوز الصعوبات، لتُشكل صناعة النقل الجوي اليوم ركيزة أساسية للاقتصاد المعاصر.


