تتجلى الملامح الفعلية لـ”النظام العالمي الجديد” في التحولات السريعة التي يشهدها المشهد السياسي العالمي، حيث تنذر تحركات القوى الكبرى بتغيرات جذرية. وقد عكس منتدى دافوس الاقتصادي الأخير حالة القلق المنتشرة، الذي يعد نتاجاً مباشراً للخطاب السياسي الأميركي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
استراتيجية ترامب العالمية
منذ توليه ولايته الثانية، تبنّى ترامب نهجاً يُعرف بـ”استثمار القوة” لتعزيز المصالح الأميركية على مستوى العالم، مما أدى إلى زيادة المطالبات بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وفرض رسوم على حلفاء، والانسحاب من المنظمات الدولية غير المتوافقة مع الأهداف الاستراتيجية لواشنطن. هذه الخطوات قد تبدو للوهلة الأولى مفاجئة، لكنها منطقية في إطار النظام العالمي الجديد.
في إطار ردود الفعل السريعة على هذه الاستراتيجية، سارع الاتحاد الأوروبي والهند إلى تجاوز عقبات استمرت لعقدين من الزمن من أجل إبرام صفقة تجارية ضخمة، تهدف إلى توفير الاستقرار بعد التعرض لرسوم الولايات المتحدة الجمركية.
الاتفاق الأوروبي الهندي
وقد سلطت تصريحات القيادتين الهندية والأوروبية الضوء على الأبعاد الأوسع لهذا الاتفاق الذي يُتوقع الانتهاء من صياغته النهائية في الأشهر القليلة المقبلة. حيث أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن هذا الاتفاق يعدّ شراكة تثمر عن منافع حقيقية، في مواجهة التحديات العالمية.
كما وصف رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، هذا الاتفاق بأنه “أكبر اتفاق للتجارة الحرة في التاريخ”، وأشار إلى أن الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي ستكون دعامة لتعزيز الاستقرار الدولي في ظل المتغيرات العالمية الحالية.
حرب أوكرانيا والضمانات الأمنية
في يناير 2026، مع استمرار الهجوم الروسي على أوكرانيا، اجتمع قادة أكثر من عشرين دولة أوروبية وكندا في باريس لمناقشة ضمانات أمنية كافية لكييف. وبالرغم من الإشادة بهذه القمة، فإن النتائج كانت مجرد تكرار للالتزامات السابقة التي لم تتحقق بالشكل المنشود.
يستهدف “تحالف الراغبين” تشكيل قوة متعددة الجنسيات يقودها الأوروبيون لنشرها في أوكرانيا بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وقد بدأت المفاوضات بشأن تركيبة هذه القوة التي تشمل أجنحة برية وجوية وبحرية، كما تم تحديد مقر قيادتها بالقرب من باريس.
العوامل المؤثرة في الضمانات
الضمانات المقترحة لكييف تعتمد على عاملين رئيسيين؛ الأول هو الدعم الأميركي، والثاني الموقف الروسي. بينما يملك ترامب القدرة على التأثير في التطورات من خلال دعم أو عدم دعم الحكومة الأوكرانية، فإن الموقف الروسي بقيادة بوتين يمنع قبوله بوجود دولي في أوكرانيا إلا في حال وجود ضغط عسكري كبير.
العامل الثاني يتمثل برغبة بوتين في تجنب أي وجود عسكري دولي، إلا إذا أُجبر على ذلك، مما يضعف فرص التوصل إلى تسوية سلمية طويلة الأمد.
إعادة تشكيل النظام العالمي
تعتبر أوكرانيا اليوم رمزاً لإعادة تشكيل النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يتطلب إعادة صياغة مفهوم السيادة في ظل العولمة الجيوسياسية. وقد ساهمت الأحداث التي بدأت مع أوكرانيا عام 2014 في اهتزاز هذا النظام.
القلق الدولي لا يقتصر على الأبعاد الاقتصادية، بل إن العولمة الجيوسياسية تهدد السيادات والهويات الوطنية، في وقت يسعى فيه القادة إلى تركيز مواردهم وكسب الحروب التجارية على حساب الاستقرار والسلام.
تطرح الأوضاع الحالية تساؤلات حول من سيكون القائد الذي يخرج العالم من أسلوب الكسب السريع ويعيده إلى مسار الحوار والسلام.


