أحدث اعتقال الجنرال تشانغ يوشيا، النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية في الصين، صدمة كبيرة في الأوساط السياسية والعسكرية، مما أثار تساؤلات حول استقرار “جيش التحرير الشعبي” وولائه بعد أكثر من عقد من حملة التطهير التي يقودها الرئيس شي جينبينغ. وكان الجنرال تشانغ يُعتبر العقل العسكري الثاني في البلاد وأحد أكثر الجنرالات تأثيرًا، وفقًا لما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية اليوم.
زلزال في القمة العسكرية
على مدار ثلاث سنوات، فقدت الصين العديد من القيادات العسكرية العليا. من بين سبعة أعضاء عُينوا في اللجنة العسكرية المركزية عام 2022، لم يتبقَ سوى شي جينبينغ ومشرف الانضباط تشانغ شنغمين، الذي قاد عمليات التطهير. ورغم أن إسقاط المسؤولين أصبح أمرًا معتادًا في الرأي العام الصيني، فإن اعتقال تشانغ يوشيا في 24 يناير شكل تحولًا لافتًا في السياسة الصينية منذ تولي شي السلطة.
أُسند لتشانغ يوشيا منصب يجمع بين صلاحيات رئيس الأركان ووزير الدفاع، وقد سبقه اعتقال ثمانية من كبار الجنرالات في أكتوبر 2025. تثير هذه الإطاحات تساؤلات حول قدرة الجيش الصيني على الاستمرار في العمل بكفاءة في غياب القيادات العليا.
جنرال ذو خبرة قتالية
كان تشانغ يوشيا يُعتبر من المقربين من الرئيس شي جينبينغ ويمتلك خبرة قتالية واقعية، إذ شارك في النزاع القصير مع فيتنام عام 1979، واشتباكات حدودية لاحقة. كما ينتمي إلى فئة “الأمراء الحمر”، وكان والده أحد قادة جيش ماو تسي تونغ، نفس الفريق الذي ينتمي إليه والد شي جينبينغ.
وصف مسؤولون أميركيون سابقون تشانغ بأنه ضابط محترف وعقلاني، يقدم نصائح موضوعية للرئيس الصيني حول نقاط ضعف الجيش وتكاليف أي مواجهة عسكرية محتملة، خاصة فيما يتعلق بتايوان.
اتهامات بالتمرد
اتهم الإعلام العسكري الرسمي تشانغ يوشيا ورئيس الأركان المشترك ليو زنلي، الذي تم توقيفه أيضًا، بتقويض مبدأ القيادة المطلقة للرئيس. وقد تم تبرير الاعتقالات على أنها جزء من معركة مستمرة ضد الفساد، مع التأكيد على أن “كلما تعمّقت التحقيقات، تزايدت التعقيدات”.
إلا أن هذه التصريحات لم تقتلع الشكوك، بل زادت من الغموض حول الأسباب الحقيقية وراء استهداف الحلقة الأهم التي تربط الرئيس بالجيش.
تقدم عسكري مع مشاكل بنيوية
تأتي هذه الاعتقالات في وقت حققت فيه الصين تقدمًا كبيرًا في قدراتها العسكرية، تشمل صواريخ فرط صوتية وطائرات شبح وحاملات طائرات حديثة. ولكن هذا النجاح يتناقض مع استمرار فضائح الفساد، خصوصًا في الوحدات الحيوية مثل القوات الصاروخية والبرامج التسليحية، حيث كشفت التحقيقات عن اختلالات عميقة منذ عام 2023.
تولى تشانغ يوشيا سابقًا إدارة تطوير المعدات، وهو أحد القطاعات الأكثر عرضة لشبهات الفساد، مما يثير تساؤلات حول إمكانية وجود بيع مناصب أو سوء إدارة للعقود العسكرية.
تايوان والتساؤلات المعلقة
تتباين التفسيرات لما يحدث: هل هي معركة مستمرة ضد فساد متجذر، أم صراع ولاءات داخل الجيش? أو خلافات حول جاهزية الجيش في مواجهة أي سيناريو هجوم على تايوان، بين من يفضل إصلاح الثغرات ومن يسعى إلى تحقيق جاهزية بحلول عام 2027؟
ما هو مؤكد هو أن أكثر من 60 قائدًا عسكريًا في قطاع الدفاع يخضعون للتحقيق منذ عام 2023، مما يترك آثارًا مباشرة على توازن القوى داخل الصين. يبقى السؤال الأهم: هل سيؤدي هذا إلى جيش أكثر انضباطًا وولاءً، أم إلى فراغ خطير في الخبرة يؤثر على قرارات بكين في قضاياها الاستراتيجية الكبرى مثل تايوان؟


