أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقييم موقفه بشأن غرينلاند، ليُربك الساسة الأوروبيين الذين تنفسوا الصعداء بعد تراجعه عن تهديداته، حيث أكد في منتدى دافوس عدم وجود نية للجوء إلى العمل العسكري أو فرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية. ولكن تراجع ترامب يجب أن يُعتبر مجرد خطوة تكتيكية، إذ لا يزال متمسكًا برغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند.
الأهمية الاستراتيجية
تعتبر الولايات المتحدة حجر الزاوية في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي شكل المعسكر الغربي منذ الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، يبدو أن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا تمر بتغييرات عميقة منذ ولاية ترامب الأولى، حيث انتقد الأخير باستمرار حلفاءه الأوروبيين لمزاعم “اتكالية” في الدفاع عن أنفسهم. وهذا قد يغيّر الديناميكيات الإقليمية، بالنظر إلى المخاوف المتعلقة بالسيادة والسلامة الإقليمية لدول الناتو.
يبدو أن عدم إقناع ترامب لم يتمكن من إثبات وجود حجة اقتصادية قوية للاستحواذ على غرينلاند، حيث تشجع الدنمارك والإقليم تلك الاستثمارات. وبالتالي، يمكن للشركات الأميركية القيام بأنشطة بحثية وتطويرية في الجزيرة دون الحاجة إلى السيطرة العسكرية.
التهديدات المتزايدة
تظل التوترات الاستراتيجية قائمة، خاصة في ظل التوسع العسكري الروسي في القطب الشمالي وتأكيد الصين أنها “دولة قريبة من القطب الشمالي”. مما يعني أن على الولايات المتحدة التحرك قبل أن يتعزز موطئ قدم الصين في غرينلاند، وهو ما قد يُهدد المصالح الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
بدوره، تسبب تدهور العلاقات عبر الأطلسي في إعادة التفكير من قبل القادة الأوروبيين حول الاعتمادية على الولايات المتحدة، حيث انطلقت دعوات من شخصيات مثل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لتأكيد على الأهمية المتزايدة للعلاقات الأوروبية بعيدا عن الهيمنة الأمريكية.
دلالات جديدة
عبر موقفه الهادف إلى “قطع” الروابط التقليدية، نبه كارني إلى واقع جديد حيث العلاقات عبر الأطلسي لم تعد كما كانت. وقد أكدت مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أنه “بكل وضوح، تلقّت العلاقات عبر الأطلسي ضربة كبيرة”، وهو ما يعكس مشاعر القلق لدى العديد من قادة أوروبا.
في ظل ذلك، تشير تحذيرات مسؤولين مثل شارل ميشال، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي إلى أن العلاقات عبر الأطلسي “كما عرفناها لعقود انتهت الآن”، وهو ما يمثل تحركًا نحو مرحلة جديدة في التواصل الغربي.
التوترات الفرنسية الأمريكية
تجلى الخلاف الغربي بصورة بارزة في التوترات بين واشنطن وباريس. بينما اتخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفًا معتدلاً حول قضايا أخرى، فقد كان صارمًا بشأن غرينلاند، مُدينًا ما اعتبره “استعمارًا جديدًا”.
وجدد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو التأكيد على دعم بلاده لسيادة الدنمارك، موضحًا أن أي تدخل عسكري أمريكي سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات بين الناتو وخصوصا فيما يتعلق بالأسلحة الأمريكية.
أفق العلاقات المستقبلية
إن استمرار العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وأوروبا يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات. فهل ستكون هناك تحولات جذرية في المنظومة الدولية؟ يبرز هذا المخاوف المتعلقة بتزايد التباعد بين الطرفين في ظل فترة رئاسة ترامب.
ينبغي على قادة أوروبا، مثل ماكرون وميليوني، إعادة النظر في استراتيجياتهم الدفاعية والنظر في أبعاد الاعتماد العسكري والمالي على الولايات المتحدة. فالبدائل المتاحة ليست واضحة، إذ يبقى دور فرنسا كقوة عسكرية ذات استقلالية نسبية بارزًا، بينما تعتمد الدول الأخرى على دعم الولايات المتحدة.
وسط هذه الديناميكيات المتغيرة، يصبح من الواضح أن التوترات والصراعات الجديدة ستشكل مستقبل العلاقات الدولية، ما يثير القلق بين الدول الكبرى حول توجهات السنوات القادمة.


