خلال عام واحد، أحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغييرات جذرية في هيكل النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال سياسات خارجية تتميز بالتفرد والتصعيد. وفقًا لتقرير حديث لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، فقد كسرت هذه السياسات القواعد التي كانت الولايات المتحدة نفسها من أبرز صانعيها.
تراجع الدبلوماسية التقليدية
تحولت الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب إلى ممارسة تتميز بالتخصيص المكثف، حيث تم إدارة العلاقات الدولية بشكل مباشر من البيت الأبيض مما أدى إلى تهميش وزارة الخارجية وإفراغ مجلس الأمن القومي من وظيفته التقليدية. وتم إسناد الملفات الحساسة لشخصيات مقربة من الرئيس تفتقر للخبرة الدبلوماسية.
أصبح المكتب البيضاوي مركزًا للديبلوماسية الجديدة، حيث يُوزّع ترامب مكافآت الود على الحلفاء، بينما يحرج أولئك الذين لا يلتزمون بميزان القوى الخاص به. وكانت المجاملات والهدايا جزءًا من بروتوكول غير رسمي للتعامل، رغم أنه لم يضمن مكاسب سياسية ملموسة للشركاء الأوروبيين، الذين لم يتمكنوا إلا من تأجيل الأزمات.
سلام هش وحروب سريعة
قدم ترامب نفسه باعتباره “رئيس السلام”، متباهياً بسلسلة من الاتفاقات والتسويات التي رعاها. ومع ذلك، ظلت الكثير من هذه التفاهمات هشة، ولم تعالج النزاعات بشكل جذري. في الوقت نفسه، اتسمت سياسته باستخدام متكرر للقوة العسكرية، حيث فضل عمليات سريعة ومحدودة، تشمل الضربات الجوية في اليمن وسوريا ونيجيريا، بالإضافة إلى قصف المنشآت النووية الإيرانية.
نزعة توسعية جديدة
مع مرور الوقت، تراجعت لغة الوساطة لصالح نزعة توسعية عبرت عن طموحات لتوسيع السيطرة على الموارد والمناطق الاستراتيجية. حيث سعى ترامب بشكل صريح إلى فرض النفوذ الأمريكي المباشر على فنزويلا، كما طالب بالسيطرة على غرينلاند، مما يمثل تحدياً لمبدأ سيادة الدول. هذه السياسات أثرت بشكل كبير على العلاقات عبر الأطلسي وهددت تماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو).
إنشاء كيان دولي جديد
في خطوة غير مسبوقة، دعم ترامب إنشاء كيان دولي بديل عن الأمم المتحدة، تحت مسمى “مجلس السلام”، وأبدى تساهلاً ملحوظًا تجاه الصين وروسيا، مكتفياً بسياسات تهدئة مع بكين وتهيئة بيئة تطبيع تدريجي مع موسكو. هذه الاتجاهات أعطت لروسيا مجالاً أكبر للاستمرار في حربها في أوكرانيا مع تراجع الضغط الأمريكي.
تضارب السياسات الخارجية
تظهر هذه التحولات أن السياسة الخارجية الأمريكية لم تعد قائمة على رؤية طويلة المدى، بل تتجه نحو استجابة عشوائية تُعكس الاندفاعات الشخصية، دون التقيد باتفاقيات أو أعراف دولية. يبدو أن الهدف النهائي هو تقويض ما أسسه الرؤساء السابقون، بما في ذلك النظام الذي مكّن الولايات المتحدة من الاضطلاع بدور عالمي بارز لعقود.


