أثارت العملية العسكرية الأميركية السريعة في فنزويلا، المعروفة باسم “العزم المطلق”، واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، تساؤلات حول فاعلية الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومدى احترام معايير السيادة وشروط استخدام القوة. هذه الخطوة تعكس تخلي القوى الكبرى عن القوانين والأطر الدولية في سبيل تحقيق مصالحها.
فوضى عالمية
تضع هذه الأحداث العالم أمام واقع يبدد أي آمال في الاستقرار، حيث تصبح الاضطرابات القاعدة بينما الاستقرار هو الاستثناء. ويعكس هذا الفشل الواضح للمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، في تحقيق السلام الدائم أو تأسيس التعاون بين الدول.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يشهد العالم سلاماً شاملاً. من الحرب الباردة إلى الصراعات في الشرق الأوسط وصراع البوسنة، والحرب الروسية الأوكرانية، تكشف هذه النزاعات عن لعبة معقدة تجريها القوى الكبرى لتعزيز مصالحها واستغلال ثروات الدول الأخرى.
المصالح النفطية
تجددت الأحاديث حول الأطماع النفطية كسبب رئيسي وراء الأزمات في فنزويلا، التي تملك أكبر احتياطيات نفطية على مستوى العالم، تقدر بـ303 مليارات برميل. الولايات المتحدة، التي عادت بقوة إلى “مبدأ مونرو” بصيغته المحدّثة، لا يمكن أن تقبل بوجود دولة تمتلك هذه الثروة الهائلة في نطاق نفوذها، خاصة في ظل احتياطياتها النفطية المحدودة.
هذا الطموح الأميركي ليس مجرد سعي وراء النفط، بل يمتد إلى استراتيجيات جيوسياسية أوسع تشمل السيطرة على مناطق نفوذ جديدة في القارة الأمريكية.
اجتماعات ترامب
في جلسة له بالبيت الأبيض، ناقش الرئيس دونالد ترامب بصراحة مع قادة الصناعة النفطية الأميركية إدارة فنزويلا وزيادة الاستثمار في قطاعها النفطي. ووعد بتوظيف 100 مليار دولار لإعادة إحياء الطاقة الفنزويلية بعد الإطاحة بمادورو.
من المهم أيضاً أن ترامب استنكر التدخلات الصينية والروسية، قائلاً لهما إن “وجودهما في فنزويلا غير مرحب به”، مما يعكس أبعاد الصراع المتعددة.
تاريخ التدخلات
ليس هذا بمفاجئ، فالتاريخ مليء بأمثلة التدخلات الأميركية لإزالة أي تهديد تتوقعه لقيمها ومصالحها. من تدخلات السبعينات في غواتيمالا وتشيلي، إلى عملية “الغضب العاجل” في غرينادا، جميعها تحمل نفس الهدف: حماية المصالح الأميركية.
بعد كل الضغوط التي مورست منذ زمن الرئيس الراحل هوغو تشافيز، كان من المستبعد أن تتخلى أميركا عن فنزويلا، خصوصاً مع توطيد علاقاتها مع الصين وروسيا.
الآثار على الصين
روسيا قد تكون تضررت بشكل جانبي من الأحداث، لكن الصين تواجه تهديدات كبيرة. فهي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي حيث تستحوذ على 82% من صادراتها النفطية، مما يجعل السيطرة الأميركية تهدد سلاسل إمدادها.
بينما طمأن ترامب الصين بإمكانية شراء النفط من الشركات الأميركية في فنزويلا، ستفقد الصين مزايا الأسعار التفضيلية التي كانت تتمتع بها، بالإضافة إلى احتمال عدم سداد الديون التي تقارب 19 مليار دولار.
الاستثمارات الصينية
استثمرت الصين مليارات الدولارات في فنزويلا على مدى العقود الماضية، وبالتالي فإن مصير هذه الاستثمارات بات مهدداً.
كما تمتلك الصين مصالح أخرى في دول أميركا اللاتينية، مما يزيد من قلقها إزاء السياسة الأميركية الجديدة التي تستهدف تقليص نفوذها في المنطقة.
الرد الصيني المحتمل
كيف سترد بكين على هذه التطورات؟ هل ستعزز موقفها في مضيق تايوان؟ إشارة شي جينبينغ الأخيرة حول عدم التسامح مع “الأعمال الأحادية” تعكس انزعاج الصين من تصعيد الضغوط الأميركية.
لا يستبعد بعض الخبراء أن تتصرف الصين بشكل هجومي لحماية مصالحها، وقد تتجاوز ذلك إلى تعزيز وجودها العسكري في الساحة الإقليمية.
ببساطة، الأحداث التي تجري في فنزويلا تتجاوز مجرد السيطرة على الثروات، بل تهدف إلى تقويض النفوذ الصيني وقطع الطريق أمام أي تهديد يتعاظم في الساحة الدولية.
في خضم كل ذلك، تسير لعبة الشطرنج الأرضية نحو تصعيد محتمل، حيث يبدو أن التوترات العالمية تتزايد دون أي آمال في التوصل إلى حلول.


