الصواريخ الباليستية من الغواصات: سلاح الردع الأحدث
تعتبر الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات (SLBMs) من أكثر الأنظمة الدفاعية تعقيدًا وصعوبة في الاعتراض. حيث تسمح هذه الصواريخ بالإطلاق من أعماق البحار بشكل يجعله ممكنًا من أي مكان تقريبًا في العالم، مما يجعل استخدامها في مبدأ “الضربة الثانية” مثالياً.
تشكل هذه الصواريخ جزءًا حيويًا من القوى النووية، إذ تساهم في بناء الركيزة البحرية ضمن “ثالوثها النووي” إلى جانب الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs) والقاذفات الاستراتيجية، وفقًا لمجلة The National Interest.
يسهم الهدف الأساسي لصواريخ SLBM في ضمان قدرة الدول النووية على الرد بهجوم ثانٍ حتى بعد تعرضها لضربة أولى قد تُعطل قدرتها على استخدام الأسلحة النووية التقليدية.
تطور الصواريخ الباليستية البحرية
ابتكر مفهوم الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات خلال خمسينيات القرن الماضي مع تطور مدى الصواريخ وتحول الغواصات إلى الدفع النووي.
كانت الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال، حيث أطلقت في عام 1960 صاروخ Polaris A-1 من الحاملة USS George Washington.
تبعها الاتحاد السوفييتي بتطوير تكنولوجيا متقدمة لصواريخ SLBM، وقد حقق سريعًا قفزات كبيرة في هذا المجال، متجاوزًا الأنظمة ذات مدى الإطلاق الأقصر.
آلية عمل صواريخ SLBM
استمرت التقنيات المتعلقّة بصواريخ SLBM في التطور، حيث وصلت إلى أجيال متقدمة مثل Poseidon وTrident وR-29 وBulava وJL-2، بالإضافة إلى النسخ الحديثة مثل Columbia وJL-3.
تقنيًا، يُطلق الصاروخ الباليستي من غواصة من خلال أنبوب إطلاق عمودي. وعند الإطلاق، يقوم مولد الغاز بدفع الصاروخ إلى السطح حيث يشتعل محركه.
وبمجرد مغادرة الصاروخ الماء، يسلك مسارًا باليستيًا إلى الفضاء، حيث يُمكنه إطلاق رؤوس متعددة الأهداف (MIRVs)، مما يتيح القدرة على ضرب أهداف متعددة باستخدام رأس نووي لكل منها.
صعوبة الاعتراض
تُعتبر الغواصات، عند وجودها في عمق المياه، من الصعب اكتشافها، مما يزيد من قيمة الصواريخ الباليستية التي تُطلق منها. وتستطيع هذه الغواصات البقاء مغمورة لفترات طويلة، مما يوفر خيارًا نوويًا غير قابل للرصد على مدار الساعة.
نتيجة لذلك، تتضاءل الحاجة إلى تنفيذ ضربات استباقية أثناء الأزمات، ويدرك الخصوم أنه ليس بإمكانهم القضاء على قوى الردع البحرية المزودة بهذه الصواريخ.
لذلك، تُعتبر SLBMs الأنظمة الأكثر قدرة على الصمود في وجه الضغوط العسكرية، متفوقةً بذلك على القاذفات أو منصات الصواريخ الثابتة.
القوى النووية العالمية
تبنت عدة دول استخدام الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات كجزء من استراتيجيتها النووية. تحتفظ كل من الولايات المتحدة، روسيا، والصين بأكبر الأساطيل المسلحة بهذه الصواريخ.
تستخدم المملكة المتحدة صواريخ Trident على غواصاتها من فئة Vanguard، وستتحول قريبًا إلى فئة Dreadnought كوسيلتها النووية الوحيدة.
وفي فرنسا، تُشغل غواصات من فئة Triumphant صواريخ M51، بينما بدأت الهند في نشر أنظمة صاروخية محلية الصنع للحفاظ على حد أدنى من قوة الردع.
التحديات النووية المعاصرة
بينما تساهم الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات في تحقيق الاستقرار النووي، تثير كذلك المخاوف بشأن التحقق من ترسانات الأسلحة، مما يُعقد الأمور في أوقات الأزمات.
ومع ذلك، تظل هذه الصواريخ حجر الزاوية في استراتيجيات الردع العالمية وتبقى توفر قدرة نووية متطورة للدول الحائزة عليها.


