مع تأكيد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، يشهد المشهد السياسي العراقي تحولات متسارعة، واشترط الصدر للعودة “إزالة الوجوه الحالية” و”إصلاح جذري شامل”، في ظل انقسام غير مسبوق يواجهه القوى الشيعية، وتخوف من خسارة موقعها المهيمن خاصة في بغداد.
شروط العودة للانتخابات
في بيان يعتبر إعلاناً حاسماً، شدد الصدر على أن ثمن العودة إلى العملية الانتخابية هو “إزالة الجميع”، في إشارة واضحة إلى الإطاحة بالطبقة السياسية الحالية.
ورغم هذا الموقف الحازم، لم يستبعد الصدر إمكانية العدول عن المقاطعة، بشرط تحقيق “إصلاح حقيقي وتغيير الوجوه والعقليات”، مؤكداً أن “البديل هو الإصلاح الشامل بلا تدخلات خارجية”.
الصدر ينسحب من البرلمان
يذكر أن الصدر كان قد أعلن منذ مارس الماضي عدم خوض الانتخابات، متهماً “القوى السياسية بالفساد والتبعية”، وهو ما يتماشى مع قراره في 2022 بالانسحاب من البرلمان وسحب نواب كتلته الـ73، رغم فوزه بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات أكتوبر 2021.
بيان الصدر الأخير بدد آمال القوى الشيعية التي كانت تعول على عودة التيار أو دعمه الضمني لتحالفات معينة، ما أثار ارتباكاً لدى الداعمين المحتملين لموقفه، والمتحسبين لتحركاته المستقبلية، خاصة مع تصاعد التنافس الداخلي وتضاؤل فرص التوافق داخل “الإطار التنسيقي”.
تحديات انتخابية معقدة
تزداد التحديات الانتخابية تعقيداً في بغداد، حيث يشتد التنافس بين الشخصيات الشيعية البارزة من جهة، والقوى السنية الصاعدة من جهة أخرى، بقيادة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي يخوض السباق برقم انتخابي “واحد” في العاصمة، متحدياً زعماء شيعة بارزين مثل نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، ونعيم العبودي، وبهاء الأعرجي.
هذا المشهد يعكس مخاوف متزايدة من خسارة القوى الشيعية لعدد من مقاعد بغداد لصالح قوى سنية، في ظل الانقسام الحاد وغياب التيار الصدري عن المشهد الانتخابي.
السوداني يسعى لولاية ثانية
يسعى رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، إلى الفوز بولاية ثانية، وقد شكل ائتلافاً انتخابياً بهدف ترسيخ مكانته كـ”رقم واحد” ليس فقط في بغداد، بل على المستوى الوطني.
طموحات السوداني تصطدم بصراعات داخلية، أبرزها التنافس مع نوري المالكي، بالإضافة إلى غياب غطاء سياسي موحد، في ظل احتمال تفكك “الإطار التنسيقي” وتحوله إلى تكتل هش.
تكتيك الانقسام الشيعي
اعتادت القوى الشيعية على اتباع تكتيك التفكك والانقسام قبل الانتخابات بهدف حصد أكبر عدد من المقاعد، ثم العودة بتحالف موحد بعد إعلان النتائج لتشكيل الكتلة الأكبر.
يرى مراقبون أن “الإطار التنسيقي”، الذي كان يجمع معظم القوى السياسية الشيعية بعد انسحاب التيار الصدري، يواجه صعوبة في صياغة رؤية موحدة أو مواجهة التحديات المقبلة، خاصة مع تراجع الثقة الشعبية، وضعف التماسك الداخلي، وفقدان الغطاء المرجعي في ظل ابتعاد المرجع الأعلى علي السيستاني عن استقبال أي زعيم سياسي منذ نحو عقد من الزمن.
ضغوط دولية متزايدة
يواجه التحالف تحديات إضافية بسبب الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة، التي نقلت عبر قنوات سياسية رسالة واضحة مفادها عدم السماح بمشاركة الفصائل المسلحة في الانتخابات المقبلة، وفقاً لما أعلنه رئيس تحالف البديل عدنان الزرفي.
في هذا السياق، يجد الصدر نفسه بعيداً عن هذه الضغوط بعد اختياره المقاطعة، ومهاجمته مجدداً “السلاح المنفلت والهيمنة الخارجية”، معتبراً أن البديل الوحيد هو “إصلاح جذري يطيح بالطبقة الحاكمة بالكامل”.
بديل الصدر غير واضح
رغم أن الصدر قدم تصوراً نظرياً لـ”بديل” المقاطعة يتمثل في “تغيير كامل للوجوه والسياسات”، فإن هذا الطرح لا يترجم عملياً إلى مشروع انتخابي أو سياسي واضح في المرحلة الحالية، حسب مراقبين، وهو ما يضع القوى الشيعية أمام تحدي التعامل مع فراغ كبير في الساحة، دون القدرة على تعويضه أو حتى الاتفاق فيما بينها.
يرجح مراقبون أن الخيارات ستبقى محدودة أمام القوى الشيعية التي تواجه اختباراً صعباً قبل الانتخابات، في وقت تزداد فيه مؤشرات الانقسام، وتتصاعد فرص خصومها في بغداد وغيرها من المحافظات ذات الثقل الانتخابي الحاسم.


