تُعتبر بيلاروسيا نقطة جيوسياسية محورية في شرق أوروبا، مما يجعلها هدفًا أساسيًا لأي استراتيجية أمريكية تهدف إلى تعزيز الاستقرار والتأثير الإقليمي في ظل المتغيرات العالمية. ووفقًا لتقرير نشره الباحث الأمريكي مارك إبسكوبوس في مجلة «ناشيونال إنتريست»، فإن السياسة الأمريكية في المنطقة قد تأثرت بشكل كبير بمبادرات البيت الأبيض الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.
فرص التطبيع
رغم تقدم مسار السلام، يجب على الإدارة الأمريكية الاستفادة من الفرص القصيرة الأجل لتعزيز مصالحها في أوروبا الشرقية. وتعتبر إمكانية التوصل إلى اتفاق تطبيع مع بيلاروسيا، التي تعد لاعباً متذبذباً بين روسيا والغرب، إحدى أبرز هذه الفرص.
تستفيد بيلاروسيا من موقعها الاستراتيجي بين «الناتو» وروسيا، مما يجعل منها فاعلاً أمنيًا ذا أهمية كبيرة في القضايا المتعلقة بالتموضع العسكري التقليدي والنووي. كما أن موقعها الجغرافي يعزز دورها الاقتصادي كمركز حيوي بين الشرق والغرب.
سياسة الضغط الغربي
لقد اتبعت المقاربة الغربية تجاه بيلاروسيا نمطاً تلقائيًا منذ الانتخابات الرئاسية في 2020، حيث انضمت الولايات المتحدة إلى دول أوروبية في فرض عقوبات صارمة على حكومة الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، بسبب ما اعتبر تزويرًا للانتخابات وقمعًا للاحتجاجات. وقد ازداد ضغط السياسة الغربية بعد «اتفاقية مينسك» التي سمحت للقوات الروسية بالمرور ودعمها خلال غزو أوكرانيا في 2022.
ومع ذلك، لم تُحقق هذه السياسة نتائج ملموسة، وفقًا لإبسكوبوس، الذي أشار إلى أن بيلاروسيا تمكنت من تحصين نفسها ضد العقوبات الغربية من خلال تعزيز علاقاتها مع روسيا وتوسيع شراكاتها مع دول غير غربية، كالصين. كما ساهمت جهود إحلال البضائع المحلية وتحايلها على العقوبات في زيادة قدرتها على مواجهة الضغوط الغربية.
تطلعات المجتمع البيلاروسي
يقول إبسكوبوس إن النهج القائم على «العصا فقط» منع الغرب من استخدام أدوات تأثير فعالة في بيلاروسيا. فعلى الرغم من ارتباط البيلاروسيين بالتقارب مع روسيا، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم أوروبيين ويتمسكون بالاندماج في الفضاء التجاري والثقافي الغربي. وإذا توفرت لهم الفرصة، فإنهم يفضلون اقتناء منتجات غربية، مثل أجهزة «آيفون» وسيارات «فورد» أو حتى «تسلا» التي تحظى بشعبية في العاصمة مينسك.
تمثل هذه النظرة المجتمعية دعوة لاستثمار القوة الناعمة الأمريكية، وقد عُكست في ما يعرف بسياسة «التوجه المتعدد» التي اعتمدها لوكاشينكو في العلاقات الخارجية، والتي تسعى للحفاظ على السيادة البيلاروسية من خلال المناورة بين الشرق والغرب. ويقدم هذا النموذج إطارًا لواشنطن للتعامل مع بيلاروسيا بتكلفة منخفضة ومخاطر محدودة مع فرص فورية لتحقيق المكاسب.
استراتيجية السلام الأمريكية
يعتبر إبسكوبوس أن بناء علاقة إيجابية مع بيلاروسيا، التي تُعد واحدة من القليل من الأطراف الفاعلة الإقليمية التي تتأرجح بين روسيا والغرب، يُمكن أن يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في أوروبا الشرقية. ويأتي ذلك في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لتعزيز وجودها في مناطق أخرى، خصوصًا في المحيطين الهندي والهادئ.
ومع تزايد أهمية موقع بيلاروسيا كمنطقة محتملة للتموضع العسكري، فإن تعزيز علاقاتها السلمية مع جيرانها الغربيين يمثل وسيلة فعالة لتقليل المخاطر المستقبلية من التصعيد بين روسيا و”الناتو». كما أن استعادة الشركات الأمريكية والأوروبية لنشاطها في السوق البيلاروسية، حيث أصبحت الصين لها موطئ قدم قوي، يعزز من تنويع الاقتصاد البيلاروسي بشكل يعود بالفائدة على الجانبين.
مقومات الاتفاق
يدعو إبسكوبوس إلى ضرورة بدء التحركات لرسم ملامح اتفاق تطبيع بين الولايات المتحدة وبيلاروسيا. وعلى الرغم من أن التفاصيل الدقيقة تتطلب تفاوضاً ميدانياً بين الدبلوماسيين، إلا أن المكونات الرئيسية مقترحة بشكلٍ عام. ستلتزم الولايات المتحدة بتخفيف العقوبات وفتح قنوات الاستثمار في مجالات مثل الطيران والطاقة وصناعة السيارات.
سيُعرض أيضاً على بيلاروسيا ضمانات تفيد بأن الإدارة الأمريكية لا تسعى لتغيير النظام بالقوة. وقد كانت هذه الحقيقة قائمة مسبقًا، لكن تدوينها سيُسهم في استعادة الثقة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل كوسيط لمساعدة بيلاروسيا في تحسين علاقاتها مع بولندا وليتوانيا.
التزامات بيلاروسيا
في المقابل، ستتعهد بيلاروسيا بعدم تسهيل أو الانخراط في أي أعمال عدوانية ضد جيرانها. وسيكون هذا مشروطًا بآليات للتحقق لضمان الالتزام، مع استثناء حالات الدفاع عن النفس، مما لا يتعارض مع التزاماتها تجاه روسيا. كما ستبذل بيلاروسيا جهدًا لمعالجة مصادر التوتر مع جيرانها الغربيين، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بتدفقات المهاجرين غير النظامية.
من المهم الإقرار بأن اشتراط قطع بيلاروسيا لعلاقاتها الأمنية مع روسيا قد يكون عقبة أمام الحوار، بالإضافة إلى كونه غير ضروري لتحقيق الأهداف الأمنية الأمريكية. الهدف الأهم هو دعم الاستقرار الإقليمي من خلال منع وقوع أي اعتداء عسكري من بيلاروسيا. ولا حاجة للأسس التي تجبر بيلاروسيا على اتخاذ موقف واضح بين روسيا والغرب، حيث أن هذا الخيار مرفوض بشدة من قبل مينسك.
التعاون الأمريكي البيلاروسي
يؤكد إبسكوبوس أنه ليس من الحكمة ربط إعادة الانفتاح على بيلاروسيا بإنهاء الحرب في أوكرانيا، طالما أن هذا الربط لا يُحسن وضع الولايات المتحدة في بيلاروسيا، ولا يُعزز محادثات السلام المتعلقة بأوكرانيا. ينبغي أن تُعامل بيلاروسيا كدولة ذات سيادة تسعى لتحسين علاقاتها مع الغرب، مع بناء مسار محدد يصلح للتفاهم الثنائي المباشر.
أيضًا، في هذه المرحلة، ليس من الأنسب الدخول في تفاهمات موحدة مع الأوروبيين الذين سيكونون ملزمين بشروطهم ومتطلباتهم الخاصة.
يختتم إبسكوبوس بالقول إن إدارة ترمب صوّبت بشكل صحيح إلى ضرورة إصلاح السياسة الأمريكية تجاه أوروبا، وتُعتبر بيلاروسيا اختبارًا واضحًا لقدرة الولايات المتحدة على تصحيح المسار. فالنهج الحالي تجاه بيلاروسيا قد فشل بشكل جلي، وهناك طريق أفضل متاح الآن ويجب استغلاله. التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن سيكون إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا يمكن تحقيقه في فترة زمنية قصيرة، وكل ما يتطلبه الأمر هو الإرادة السياسية للمضي قدمًا.


