يبرز في عقول العديد من الناس أن الحرية والرفاهية والتقدم تُعتبر “كنوزًا” تتواجد بشكل رئيسي في “العالم الغربي”، الذي يُعرف بأنه يضم دول أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأستراليا، بينما يرى البعض أن هذا المفهوم الاقتصادي والاجتماعي قد توسع ليشمل دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية.
كما يتجلى في الأذهان أن الغرب قد تفوق سياسياً وثقافياً واقتصادياً على المعسكر الشرقي، الذي انتهى بسقوط الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات. وقد بشّر هذا التحول ببدء فصل جديد في التاريخ العالمي، يمتلئ بآمال السلام والازدهار.
تفاءل الكثيرون بإمكانية انتشار القيم الغربية وتعزيز الأسواق الحرة، مع توقعات بتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ومحو الأمية والقضاء على الأمراض. وكان يبدو أن هذه الوعود تعكس أحلامًا وردية لواقع أكثر إشراقًا.
ومع ذلك، لم تكن هذه الفرحة متينة، إذ أن العالم، عبر تاريخه، يسير في مسار دائري، يحمل في طياته لحظات مضيئة وأخرى من الأزمات والحروب. ومع تصاعد الضغط على نظام القطب الواحد، والذي لم يتمكن من إدراك مسؤولياته، بدأ يتشكل في الأفق صعود روسيا والصين، مما يثير مخاوف من حرب باردة جديدة؛ وهي نتيجة لم يكن متوقعاً أن تتوالى بهذا الشكل المتسارع.
انقسام عميق
شهدت ولاية دونالد ترمب الأولى توترات واضحة بين الولايات المتحدة وأوروبا. ومع خسارته في انتخابات 2020، شعر الأوروبيون بالارتياح مع دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض، حيث أعلن عودة أميركا إلى الساحة العالمية. غير أنه بعد أربع سنوات، تفاجأ الأوروبيون بالتراجع الأمريكي عن التعاون التقليدي عبر الأطلسي، مما دعا الزعماء الأوروبيين للبحث عن دور وهوية جديدة في نظام عالمي يتشكل.
يتضح أن الغرب يشهد انقسامًا على أسس أيديولوجية، نتيجة تراجع القيَم والمصالح المشتركة. يمكن تلخيص أسباب هذا الانقسام على النحو التالي:
* تصدَّر ترمب بعبارة “أميركا أولاً” التي تعكس تركيزه على السياسة الداخلية والمحيط المباشر، مما أدى إلى تقليص الاهتمام بالقضايا الأوروبية وحلف الناتو.
* في إطار منهجيته، سعى ترمب لإنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية مع الاستفادة المالية نحو تعويض دعم أميركا لأوكرانيا. مما يعكس تراجع الاهتمام بالشؤون الأوروبية.
التوترات الاقتصادية
* اعتمد شعار “أميركا أولاً” على سياسات حمائية أدت إلى فرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية، مما زاد توتر العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
* تتصاعد القومية والشعبوية في الولايات المتحدة، لكن في أوروبا لم تصل هذه الاتجاهات إلى السلطة إلا في حالات نادرة، مما أدى إلى تزايد الريبة بين القوى السياسية التقليدية حيال السياسة الأمريكية.
هذه العوامل قد ساهمت في بناء جدار من عدم التوافق، مما يحد من قدرة القادة الأوروبيين على تحقيق استقلال استراتيجي، مع ضرورة تعزيز مكانة أوروبا في النظام العالمي الجديد.
أوروبا تتحرك
ما زال اليمين المتطرف يتنامى في أوروبا، رغم وجود بعض العوائق السياسية والقانونية. وقد أشار الرئيس الفرنسي ماكرون إلى “رجعية عالمية” يعيشها العالم، بينما يسعى قادة أوروبيون مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك لمواجهتها.
عمل ميرتس على نشر قوة دائمة تضم 5 آلاف جندي في ليتوانيا، كخطوة جيوسياسية تعكس الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة بأن تتحمل أوروبا مسؤولياتها الأمنية.
تسهم هذه الخطوة الألمانية في تعزيز الشعور بالحذر في روسيا، وقد تشجع على تشكيل هوية أوروبية مستقلة، تساهم في تأمين التحالف عبر الأطلسي دون تحميل أمريكا “عبء” الأمن الأوروبي.
نحو نظام عالمي جديد؟
في ظل الأحداث الجارية، قد يظهر نظام عالمي جديد مبني على شراكة أوثق بين ضفتي الأطلسي، اللتين تعتبران شريكتين تاريخيتين قادرتين على قيادة قطاع واسع من القضايا.
من المؤكد أن المستقبل الغربي سيتأثر بالتحديات والفرص التي ينطوي عليها العالم المتعدد الأقطاب، حيث يواجه صعود قوى غير غربية مثل “بريكس”. كما تلزم الدول الغربية بمعالجة التحديات الداخلية المتزايدة، مثل تراجع الديمقراطية وصعود الشعبوية.
سيتوجب على الغرب تحديد مستقبله من خلال التأقلم مع التغيرات الجوهرية التي تطرأ على المشهد العالمي. وعلى الرغم من أنها أزمة هوية، إلا أن طريقة إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية ستكون محورًا مهمًا في تشكيل نظرة المفهوم الغربي لذاته، بين كونه ثقافة تُحتضن فيها القيم الديمقراطية أو مجرد كيان جغرافي منفصل.


