بعد تحرك السيسي للدفاع عن السعودية.. مدير الاستشراف بالأزهر يكشف دور القوة الناعمة في احتواء النزاعات

spot_img

أ.د. منى حندقها أحمد: لجنة الحكماء تفتح مسارات للوساطة.. والتسوية لا تعني التفريط في الحقوق أو تجاوز سيادة الدول

مدير الاستشراف الاستراتيجي: الأزهر قوة ناعمة لصناعة السلام.. والروابط العربية والإسلامية لا تكفي وحدها لإنهاء النزاعات

نجاح الوساطة مرهون بقبول الأطراف وتفويض واضح.. والعلماء والإعلام مطالبون بمواجهة التحريض وخطابات الكراهية

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتعقّد الصراعات التي تهدد أمن المنطقة واستقرار شعوبها، أعادت دعوة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى تشكيل لجنة من حكماء الأمة العربية والإسلامية لفض النزاعات، طرح تساؤلات مهمة بشأن قدرة المؤسسات الدينية والفكرية على الإسهام في جهود السلام، وإمكان توظيف الروابط التاريخية والحضارية المشتركة لفتح قنوات للحوار بين الأطراف المتنازعة.

وتكتسب المبادرة أهمية خاصة في ظل ما أثارته من تفاعل عربي ودولي، وما تطرحه من تصور لدور يتجاوز الدعوات التقليدية إلى وقف الحروب، نحو آلية للوساطة والتهدئة تستفيد من المكانة الدينية والعلمية للأزهر، بوصفه إحدى ركائز القوة الناعمة المصرية، دون أن تحل محل التحركات السياسية والدبلوماسية الرسمية.

لكن إلى أي مدى يمكن تحويل هذه الدعوة إلى خطوات عملية؟ وهل تكفي المكانة الأخلاقية والفكرية للحكماء لتجاوز تعقيدات النزاعات السياسية؟ وكيف يمكن التوفيق بين جهود التسوية وحماية الحقوق والسيادة الوطنية ومقدرات الشعوب؟ وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية في تهيئة المجتمعات لقبول السلام؟

هذه التساؤلات وغيرها يطرحها الحوار على الأستاذة الدكتورة منى حندقها أحمد، مدير مكتب الاستشراف الاستراتيجي بالأزهر الشريف، التي تقدم قراءة للأبعاد الإنسانية والسياسية والحضارية للمبادرة، وتوضح حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه الأزهر، والشروط اللازمة لنجاح لجنة الحكماء المقترحة، مؤكدة أن السلام لا يتحقق بمجرد إطلاق الدعوات، وإنما يحتاج إلى قبول سياسي وتنسيق عملي ومعالجة لأسباب الصراعات، دون التفريط في الحقوق أو تجاوز سيادة الدول.

من الدعوة إلى الوساطة

بدايةً.. ما الدلالات الإنسانية والسياسية لدعوة الإمام الأكبر إلى تشكيل لجنة من حكماء الأمة العربية والإسلامية لفض النزاعات؟

تحمل الدعوة دلالات تتجاوز المطالبة الأخلاقية بوقف الحروب؛ فهي تطرح ضرورة الانتقال من التعبير عن القلق إزاء الصراعات إلى البحث عن آلية عربية وإسلامية قادرة على التحرك بين الأطراف المتنازعة، وفتح مسارات للتهدئة والتفاهم.

إنسانيًا، تنطلق المبادرة من أن استمرار النزاعات لا يعني فقط سقوط الضحايا، بل يؤدي أيضًا إلى تدمير مقومات الحياة، واستنزاف الموارد، وتعطيل التنمية، وتهديد مستقبل الأجيال. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة معالجة آثاره، وتراجعت فرص إعادة بناء الثقة بين المجتمعات، حتى بعد توقف القتال.

أما سياسيًا، فتطرح الدعوة فكرة الاستفادة من المكانة الفكرية والأخلاقية للحكماء في معالجة النزاعات التي تتعثر فيها قنوات التواصل التقليدية. فالأطراف المتنازعة قد تتمسك بمواقفها أمام جماهيرها، أو تتردد في اتخاذ خطوات نحو التهدئة خشية تفسيرها باعتبارها تراجعًا. وهنا يمكن للوساطة أن تتيح مساحة لاستكشاف التسويات بعيدًا عن ضغوط التصريحات العلنية، وأن تساعد على بناء تفاهمات تدريجية تحفظ المصالح المشروعة.

وتكتسب المبادرة بعدًا استراتيجيًا إضافيًا من تركيزها على النطاق العربي والإسلامي؛ إذ تطرح إمكان تحويل الروابط الدينية والتاريخية والثقافية بين شعوب المنطقة إلى رصيد يُستثمر في منع التصعيد وتسوية الخلافات. غير أن هذه الروابط، على أهميتها، لا تلغي اختلاف مصالح الدول أو تعقيد النزاعات، بل ينبغي توظيفها لتسهيل الحوار مع احترام سيادة الدول واستقلال قراراتها.

والدلالة الأعمق للمبادرة هي أن مسؤولية الأمة لا تقتصر على التضامن مع ضحايا الصراعات، بل تمتد إلى البحث عن وسائل عملية تحول دون استمرارها، وتحمي الإنسان، وتحافظ على مقدرات الشعوب.

كيف تجسد المبادرة رسالة الأزهر في دعم جهود السلام والوساطة والمصالحة؟

تجسد المبادرة تصورًا لدور الأزهر يتجاوز إصدار المواقف الأخلاقية إلى توظيف المرجعية الدينية والعلمية في اقتراح مسارات عملية لمعالجة الأزمات. فالدعوة إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة تعني طرح آلية محددة للتحرك، بدلًا من الاكتفاء بتجديد الدعوة العامة إلى نبذ العنف.

ويتمثل جوهر هذا الدور في توظيف ما يتمتع به الأزهر من مكانة دينية وعلمية في تشجيع الأطراف على الحوار، وتذكيرها بالتكاليف الإنسانية والسياسية لاستمرار النزاع، وتوفير أرضية أخلاقية مساندة لجهود التهدئة. ويمكن للأزهر كذلك الإسهام في بناء تصور فكري للوساطة يستند إلى العدل، وحرمة الدماء، وإصلاح ذات البين، واحترام الحقوق.

لكن من الضروري التمييز بين الدور الذي يستطيع الأزهر القيام به والدور الذي يعود إلى الدول والأطراف المتنازعة. فالأزهر لا يملك، بحكم مكانته الدينية وحدها، فرض التسوية على الدول أو إلزامها بوقف القتال. وإنما يمكنه الإسهام في تهيئة الظروف اللازمة للتسوية، وتشجيع قبول الوساطة، ودعمها فكريًا وأخلاقيًا.

ومن هنا، فإن أهمية المبادرة تكمن في فتح مجال أمام المرجعية الدينية للمساهمة في معالجة قضية سياسية وإنسانية بالغة التعقيد، من دون أن تتحول إلى بديل من الدبلوماسية الرسمية أو المؤسسات الدولية المختصة.

إنها تطرح دورًا للأزهر بوصفه قوة ناعمة مساندة لصناعة السلام، تستثمر المصداقية الدينية في فتح مسارات للحوار، وتربط الرسالة الأخلاقية بإمكانات التحرك العملي.

تهيئة المجتمعات وحماية الحقوق

لكن نجاح الوساطة لا يرتبط بالمواقف السياسية وحدها.. كيف يمكن للمؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر، الإسهام في تهيئة البيئة الفكرية والمجتمعية اللازمة لجهود التهدئة؟

تتطلب الوساطة السياسية بيئة تسمح للأطراف بقبول التسوية، ولا تتعامل مع كل تنازل تفاوضي باعتباره خيانة أو هزيمة. وهنا يظهر الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدينية في معالجة التصورات التي تجعل استمرار المواجهة مقبولًا، أو تحول الخلاف السياسي إلى عداوة دينية واجتماعية ممتدة.

فالأزهر يستطيع، من خلال مرجعيته العلمية، تأكيد أن إصلاح ذات البين، وحرمة الدماء، وحماية الأبرياء، وصون مقدرات المجتمعات، ليست شعارات منفصلة عن الواقع، بل مبادئ ينبغي أن تؤثر في مواقف الأطراف من النزاعات.

كما يمكنه الإسهام في مواجهة الخطاب الذي يشيطن المجتمعات الأخرى أو يحمل الشعوب بأكملها مسؤولية قرارات الحكومات والجماعات المتنازعة. فالتعميم والتحريض يضيقان مساحة التسوية، ويجعلان التراجع عن العنف أكثر صعوبة أمام الرأي العام.

ومن الناحية العملية، يمكن للمؤسسات الدينية دعم لجنة الحكماء من خلال توفير قراءات علمية وأخلاقية للقضايا محل النزاع، والتواصل مع العلماء في الدول المعنية، وتطوير خطاب عام يساند جهود التهدئة، من دون الانحياز غير المنضبط إلى طرف أو تبرير الانتهاكات.

لكن لا ينبغي تحميل الخطاب الديني وحده مسؤولية نجاح الوساطة؛ فالأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية للنزاعات تحتاج إلى معالجة مباشرة من الجهات المختصة.

إن الدور الاستراتيجي للأزهر هنا هو المساهمة في بناء بيئة فكرية واجتماعية تساعد على قبول السلام، وتمنح الوساطة مساحة للحركة، وتحد من القوى التي تعيد إنتاج العداء بعد كل محاولة للتسوية.

وما الرسائل التي توجهها المبادرة إلى الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي بشأن وقف الاقتتال وحماية المدنيين وصون مقدرات الشعوب؟

تحمل المبادرة رسالتين مترابطتين: الأولى أن دول المنطقة مطالبة بتوظيف ما يجمعها من روابط وإمكانات في معالجة النزاعات التي تهدد استقرار شعوبها؛ والثانية أن إنهاء الحروب وحماية المدنيين مسؤولية لا يجوز اختزالها في الحسابات السياسية الضيقة.

فعلى المستوى العربي والإسلامي، تبرز الدعوة أهمية الانتقال من ردود الفعل المنفردة إلى التحرك المنظم، الذي يتيح للدول المعنية الاستفادة من الوساطة والتواصل المشترك، وتنسيق الجهود الرامية إلى خفض التصعيد. ولا يعني ذلك افتراض تطابق مصالح الدول أو مواقفها، بل البحث عن مساحات عملية يمكن أن تلتقي فيها إراداتها.

أما على المستوى الدولي، فتؤكد المبادرة أهمية ألا يقتصر التعامل مع النزاعات على إدارة تداعياتها بعد وقوع الكارثة، بل ينبغي أن يشمل منع التصعيد، وحماية المدنيين، وتسهيل المساعدات الإنسانية، ودعم الحلول السياسية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

وتكتسب حماية مقدرات الشعوب أهمية استراتيجية؛ فالحروب تستنزف الموارد التي تحتاج إليها الدول في التعليم والصحة والتنمية، وتضعف مؤسساتها، وتزيد من الأعباء التي تتحملها الأجيال اللاحقة. ولذلك، فإن إنهاء النزاعات ليس مجرد هدف إنساني عاجل، بل شرط لاستعادة القدرة على التنمية والاستقرار.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى التهدئة لا ينبغي أن تعني تجاهل الحقوق أو التسوية على حساب الضحايا، بل يجب أن تقترن بحماية المدنيين، واحترام الالتزامات القانونية، ومعالجة أسباب النزاع.

والرسالة السياسية للمبادرة هي أن أمن المنطقة لا يتحقق بمجرد احتواء آثار الحروب، وإنما ببناء قدرة مشتركة على منعها وتسويتها، وصون استقلال الدول وحقوق الشعوب ومقدراتها.

تحدثتِ عن أهمية الروابط المشتركة.. كيف يمكن تحويل روابط الدين والعروبة والأخوة التاريخية بين الشعوب إلى أدوات عملية لاحتواء النزاعات وتعزيز الاستقرار الإقليمي؟

تمثل الروابط الدينية والتاريخية والثقافية رصيدًا يمكن أن يسهل التواصل بين الأطراف، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى قوة للسلام. فالتاريخ المشترك لا يلغي تضارب المصالح، والانتماء الديني لا يمنع الخلافات السياسية، ولذلك ينبغي تحويل هذه الروابط إلى آليات عمل واضحة.

في هذا السياق، يمكن للجنة الحكماء الاستفادة من التواصل بين العلماء والشخصيات ذات المكانة الفكرية والاجتماعية في فتح قنوات لا تتوافر دائمًا عبر المسارات الرسمية، وتحديد المصالح التي يمكن أن تشكل أساسًا لتفاهمات عملية.

كما يمكن الاستناد إلى الروابط المشتركة لتأكيد أن استمرار الصراعات يفرض خسائر تتجاوز حدود الدولة المتنازعة، ويؤثر في التجارة والاستثمار والأمن الإقليمي والاستقرار الاجتماعي، ويجعل معالجة النزاعات مصلحة مشتركة حتى عندما تختلف المواقف السياسية.

وتتطلب ترجمة هذه الروابط إلى نتائج إنشاء قنوات اتصال مستمرة، وتنسيق المبادرات الإنسانية، وتبادل الخبرات في الوساطة، وتشجيع الاتفاقات التي تحد من التصعيد وتدعم التعاون في القضايا ذات المصالح المشتركة.

ومن الضروري ألا تتحول الدعوة إلى وحدة الصف إلى مطالبة بإخفاء الخلافات أو تجاوز الحقوق المشروعة. فالتضامن الفاعل هو الذي يساعد على إدارة الاختلافات، لا الذي ينكر وجودها.

والرهان الاستراتيجي هو تحويل وحدة الروابط إلى قدرة على العمل المشترك، بحيث تصبح العلاقات التاريخية والدينية وسيلة لتقليل كلفة النزاعات، وفتح مسارات للتفاهم، وتعزيز قدرة دول المنطقة على معالجة أزماتها.

الإعلام والتعليم والحكمة السياسية

إلى أي مدى يمكن للإعلام والمؤسسات التعليمية أن يساهما في تهيئة الرأي العام لقبول الوساطة ومواجهة الخطابات التي تؤجج الصراعات؟

تواجه جهود الوساطة تحديًا لا يتعلق بمواقف الأطراف السياسية وحدها، بل أيضًا بالبيئة العامة التي تتحرك فيها. فقد تتوافر فرص للتسوية، لكن الخطاب الإعلامي التحريضي أو انتشار المعلومات المضللة أو تصوير أي تفاهم باعتباره هزيمة قد يضيّق المجال أمام قبولها.

ومن هنا، يستطيع الإعلام أن يسهم في إنجاح المبادرة من خلال شرح أهداف الوساطة، وإبراز التكلفة الإنسانية لاستمرار الصراع، وتقديم معلومات موثوقة عن مسارات التفاوض، والتمييز بين النقد السياسي المشروع والتحريض على الشعوب والجماعات.

ولا يعني ذلك مطالبة الإعلام بإخفاء الخلافات أو تجميل مواقف الأطراف، بل أن يمارس دوره الرقابي والنقدي دون تحويل التغطية إلى أداة لتوسيع العداء أو تقويض فرص التسوية قبل اختبارها.

أما المؤسسات التعليمية، فيمكنها تنمية الوعي بأسباب النزاعات، وتعليم مهارات الحوار والتفاوض، وتعزيز القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والدعاية الموجهة. كما تستطيع المؤسسات الدينية والجامعات تطوير برامج مشتركة تشرح أهمية الوساطة وإصلاح ذات البين في السياقات المعاصرة.

وفي هذا الإطار، يمكن للأزهر أن يؤدي دورًا في توضيح البعد الإنساني للمبادرة، وتقديم محتوى علمي يواجه الخطابات التي تبرر استمرار الاقتتال، ويؤكد أن قبول الوساطة لا يعني التخلي عن الحقوق، بل البحث عن وسائل أكثر استدامة لحمايتها.

والأهمية الاستراتيجية للإعلام والتعليم أنهما يستطيعان توسيع المساحة المجتمعية المتاحة أمام الحلول السلمية، والحد من تحويل النزاعات السياسية إلى خصومات ممتدة بين الشعوب.

ولماذا تمثل الحكمة في إدارة الخلافات ضرورة استراتيجية لحماية الدول والشعوب من استنزاف مواردها وتفاقم النزاعات؟

تنبع أهمية الحكمة من أن استمرار الصراعات قد يفرض تكاليف تتجاوز المكاسب التي يتوقعها أطرافها؛ فالحرب تستنزف الموارد، وتضعف المؤسسات، وتعطل التنمية، وتزيد من مخاطر اتساع النزاع إلى أطراف ومناطق أخرى.

ومن هذا المنطلق، تطرح دعوة الإمام الأكبر إلى تشكيل لجنة من الحكماء أهمية الاستعانة بخبرات قادرة على النظر إلى ما وراء الحسابات الآنية، وتقدير النتائج المحتملة لاستمرار المواجهة، والبحث عن مخارج سياسية تحفظ المصالح المشروعة وتقلل الخسائر.

وتتجلى الحكمة السياسية في التمييز بين الأهداف التي تستحق الدفاع عنها والوسائل التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وبين حماية الحقوق والاستمرار في مواجهة لا تفضي إلى تسوية، وبين تحقيق مكسب مؤقت وبناء استقرار طويل الأجل.

إن الحكمة التي تستدعيها المبادرة هي القدرة على منع تحول الخلاف إلى استنزاف طويل الأمد، وتوظيف المعرفة والخبرة والمكانة الأخلاقية في فتح مسارات للتسوية تحفظ المصالح وتحد من الخسائر.

البعد الحضاري ومسؤولية العلماء

بعيدًا عن الأبعاد السياسية المباشرة.. ما الرسالة الإنسانية والحضارية التي تحملها دعوة الإمام الأكبر إلى توظيف حكمة الأمة وروابطها المشتركة في إنهاء الصراعات؟

تحمل الدعوة رسالة مفادها أن الأمة العربية والإسلامية تمتلك، إلى جانب ما يجمع شعوبها من روابط دينية وتاريخية وثقافية، مسؤولية تجاه حماية الأرواح ومقدرات المجتمعات التي تتعرض للصراعات.

وتتمثل خصوصية هذه الرسالة في أنها لا تكتفي باستدعاء وحدة الهوية، بل تطرح إمكان توظيفها في تحرك عملي عبر لجنة للوساطة والتهدئة. فالمعنى الحقيقي للتضامن يظهر عندما يتحول إلى جهد يسهم في وقف الاقتتال، وفتح قنوات الاتصال، وتقريب وجهات النظر، والبحث عن حلول تحفظ الحقوق وتمنع مزيدًا من الخسائر.

ومن الناحية الحضارية، تطرح المبادرة تصورًا لدور المرجعية الدينية لا يقتصر على إرشاد الأفراد، بل يمتد إلى المساهمة في معالجة القضايا العامة، من خلال تعزيز قيم الحكمة والإصلاح والعدل وحماية الإنسان.

أما سياسيًا، فإن الدعوة تفتح المجال أمام تعزيز إسهام الدول العربية والإسلامية، بالتنسيق مع الجهود القائمة، في الوقاية من النزاعات واحتوائها وتسويتها.

لكن ترجمة هذه الرسالة إلى واقع تتطلب مراعاة اختلاف مصالح الدول، واحترام سيادتها، وعدم افتراض أن الروابط المشتركة تكفي وحدها لتجاوز الخلافات. فالمبادرة تحتاج إلى قبول سياسي وتنسيق عملي وتفويض واضح للجنة المقترحة.

والرسالة الأعمق هي أن قيمة الروابط الحضارية لا تكمن في الاحتفاء بها وحده، بل في القدرة على توظيفها لحماية الشعوب، ووقف استنزاف مقدراتها، وتوسيع فرص التسوية والسلام.

ختامًا.. ما مسؤولية العلماء في تصحيح المفاهيم التي تبرر الاقتتال، وتعزيز المرجعيات الدينية والأخلاقية الداعمة للوساطة وإصلاح ذات البين؟

تتمثل مسؤولية العلماء في معالجة المفاهيم التي قد تمنح العنف شرعية دينية أو أخلاقية، وتوضيح أن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، لا تعفي الأطراف من مسؤولياتها تجاه المدنيين، ولا تجعل الاعتداء على الأبرياء وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف.

وفي سياق دعوة الإمام الأكبر، يكتسب هذا الدور أهمية خاصة لأن الوساطة لا تعتمد على التفاوض بين القيادات وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى خطاب عام لا يجرّم السعي إلى التفاهم، ولا يصور الإصلاح باعتباره ضعفًا، ولا يحول الخصومة السياسية إلى عداوة دينية أو تاريخية ممتدة.

ويستطيع العلماء الإسهام في ذلك من خلال توضيح المفاهيم المرتبطة بحرمة الدماء، وإصلاح ذات البين، والعدل، والوفاء بالعهود، والمسؤولية عن حماية الإنسان، مع مراعاة السياقات المختلفة للنزاعات وعدم إصدار أحكام متعجلة بناءً على معلومات غير مكتملة.

كما يمكنهم المشاركة في حوارات علمية عابرة للحدود، وتقديم قراءات تساعد على فهم أسباب التوتر، وإبراز المساحات التي يمكن أن تقوم عليها تفاهمات أخلاقية وإنسانية مشتركة.

لكن العلماء ليسوا بديلًا من المفاوضين السياسيين أو الخبراء الأمنيين؛ فدورهم هو تقديم المعرفة والتوجيه الأخلاقي وتصحيح المفاهيم، بما يساند الجهود السياسية ولا يحل محلها.

وتكمن أهمية هذا الدور في الحد من المبررات الفكرية التي تطيل الصراع، وتهيئة المجال لقبول الوساطة، وتعزيز فكرة أن إصلاح النزاعات مسؤولية أخلاقية وسياسية مشتركة.

ومن المهم التأكيد أن تشكيل اللجنة ونجاحها يظلان مرتبطين بالخطوات المؤسسية والسياسية التي تتخذها الأطراف المعنية؛ فالدعوة وحدها لا تعني أن اللجنة قد تشكلت أو أن نتائج قد تحققت.

والخلاصة أن القيمة الاستراتيجية للمبادرة تكمن في طرح إمكانية توظيف الحكمة والمرجعية الأخلاقية والروابط المشتركة في خدمة هدف سياسي وإنساني محدد، وهو الانتقال من إدارة تداعيات النزاعات إلى الإسهام في منع تصعيدها وتسويتها، بما يحمي الإنسان ويصون مقدرات الشعوب ويفتح المجال أمام استقرار أكثر استدامة.

اقرأ أيضا

اشترك في النشرة الإخبارية

اخترنا لك