صادق البرلمان الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، مما أثار ردود فعل غاضبة من القاهرة، وسط توترات إقليمية تتعلق بالحقوق البحرية في شرق البحر المتوسط.
في خطوة مثيرة للجدل، شهد البرلمان الليبي تصديقًا على مذكرة التفاهم المتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعد مرور حوالي سبع سنوات على توقيعها. ويأتي هذا القرار وسط انقسام حول الحقوق البحرية والسيادة في منطقة شرق البحر المتوسط.
الغضب المصري من القرار الليبي
انتقد النائب والإعلامي المصري مصطفى بكري هذا التصديق، مشيرًا إلى أنه يمثل “أمرًا مرفوضًا ويدعو إلى الدهشة”، وتساءل عن أسباب تغيير موقف البرلمان الليبي الذي كان قد رفض الاتفاقية سابقًا. وشدد بكري على أن هذه الاتفاقية تتعارض مع مبادئ القانون الدولي وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مما يمس -من وجهة نظره- الحقوق السيادية المصرية.
وفي تغريدة له، اعتبر بكري أن مصر لن تقبل بأي إجراءات ترتكز إلى هذه المذكرة، وقد أكدت احتفاظها بحقها في حماية حقوقها وفقًا للقوانين الدولية. كما أوضح أن الرأي العام المصري في حالة من الصدمة إزاء هذا التحول المفاجئ، بعد أن اعتبر البرلمان الليبي الاتفاقية كأن لم تكن.
التساؤلات حول موقف البرلمان الليبي
من جانبه، طرح الكاتب والصحفي المصري رامي إبراهيم جملة من التساؤلات حول تحول موقف البرلمان الليبي. واعتبر أن هذا التغيير لا يقتصر فقط على مواقف سياسية متغيرة، بل يتعلق بقرارات سابقة اتخذها المجلس نفسه، حيث كان قد اعتبر الاتفاقية غير شرعية.
وتساءل إبراهيم عن كيفية موافقة البرلمان على اتفاقية وقعتها حكومة السراج التي لم تحظ بثقة المجلس، ليتبين له أن هناك تساؤلات تبرز حول الأسس القانونية والدستورية التي اعتمد عليها البرلمان في اتخاذ هذا الموقف الجديد.
تداعيات الاتفاقية على المصالح المصرية
أشار إبراهيم إلى أن الآثار المترتبة على هذه الاتفاقية لن تتوقف عند حدود ليبيا، بل ستشمل توازنات القوى والمصالح في شرق البحر المتوسط، خاصة في ظل اعتراض كل من اليونان وقبرص. وشدد على أهمية توضيح الأسس القانونية التي استند إليها البرلمان في قراره، وأسباب تعديله لموقفه السابق.
وأضاف أنه ينبغي دراسة التحول الطارئ على الموقف الليبي من زاوية تأثيراته الممكنة على مسار المصالح المصرية والعلاقات الإقليمية، مشدداً على ضرورة تفسير هذا التوجه الذي يتعارض مع المواقف السابقة تجاه الاتفاقية.
رفض مصر التصديق الليبي
جاءت هذه الانتقادات بالتوازي مع بيان وزارة الخارجية المصرية الذي أكد رفض القاهرة القاطع لموقف مجلس النواب الليبي. ووصفت الخارجية المصرية مذكرة التفاهم بأنها “باطلة بطلانا مطلقا” و”عديمة الأثر القانوني”، مشددة على عدم اعترافها بأي إجراءات تستند إليها.
وكان مجلس النواب الليبي، مقرّه في بنغازي، قد صادق بالإجماع، في 20 أكتوبر، على الاتفاقية الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا في نوفمبر 2019، وقد تراجع عن قرارات سابقة له تتعلق برفض الاتفاقية وقطع العلاقات مع أنقرة، مما يمثل تحولًا كبيرًا في مواقفه.
تفاصيل الاتفاقية وتداعياتها الإقليمية
تعود جذور الاتفاقية إلى 27 نوفمبر 2019، حيث هدفت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج وتركيا إلى تحديد مناطق الاختصاص البحري بين البلدين. وأثارت هذه المذكرة خلافات إقليمية حادة بسبب تداخلها مع المطالبات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وارتباطها بفرص استكشاف الغاز والنفط.
تعارض كل من مصر واليونان وقبرص هذه الاتفاقية، حيث ترى أثينا أنها تتجاهل حقوق الجزر اليونانية. بينما تؤكد القاهرة أن الاتفاقية تمس حقوقها السيادية البحرية. ومن جهة أخرى، تدافع أنقرة عن الاتفاقية على اعتبار أنها تسعى لحفظ المصالح التركية والليبية وتنسجم مع القوانين الدولية.


