متى تتوقف الجبلاية عن ازدواجية المعايير؟
لم يعد خافياً على أحد أن المنظومة الكروية في مصر تعاني من أزمة ثقة حادة متجذرة بين أندية الشعب الكبرى واتحاد الكرة ولجنة الحكام. وما حدث مؤخراً من تعنت وتخبط إداري حول طلب نادي الزمالك الاستماع إلى محادثات تقنية الفيديو المساعد (VAR) في إحدى مبارياته المثيرة للجدل، يعيد إلى الأذهان سياسة “الكيل بمكيالين” التي باتت العنوان الأبرز لقرارات اتحاد الكرة.
فبينما يُقابل طلب القلعة البيضاء بالرفض القاطع والحجج الواهية التي تتذرع بلوائح “الفيفا” وحصرية التسجيلات، تتكشف الذاكرة الكروية عن واقعة قريبة جداً أحدثت دوياً كبيراً العام الماضي، حين تمت الاستجابة لطلب النادي الأهلي ومراجعة أو الاستماع لتفاصيل تقنية الفيديو في ظروف مشابهة. هذا التناقض الصارخ لا يضع اتحاد الكرة في مأزق قانوني فحسب، بل ينسف مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص الذي تقوم عليه المسابقات الرياضية.
قصة الرفض الأخير: الزمالك يبحث عن الشفافية والجبلاية تتذرع باللوائح
تقدم نادي الزمالك بمستندات وطلبات رسمية للاستماع إلى تسجيلات حكام الـ VAR في مباراة شهدت حالات تحكيمية أثارت لغطاً واسعاً، في محاولة مشروعة للدفاع عن حقوقه وحماية جهود لاعبيه. كان الهدف الأسمى هو الشفافية وإزالة أي شكوك تحوم حول نزاهة القرارات المصيرية.
إلا أن الرد جاء سريعاً، وببرود إداري معتاد: الرفض التام.
تذرع اتحاد الكرة بأن اللوائح الدولية تمنع تداول تسجيلات غرفة الفيديو للعامة أو للأندية، معتبرين إياها ملكاً حصرياً للاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” ولجنة الحكام فقط. وهو تبرير وإن بدا قانونياً على الورق، إلا أنه يسقط تماماً عند اختبار التطبيق العملي والسوابق التاريخية القريبة.
شريط الذاكرة: العام الماضي وازدواجية المعايير مع الأهلي
الذاكرة الجماعية للجمهور الرياضي لا تُمحى بسهولة. فقبل أشهر معدودة وفي الموسم الماضي، شهد الشارع الكروي وقائع مشابهة تم فيها السماح أو تلبية رغبات النادي الأهلي في الاطلاع أو الاستماع لمحادثات تقنية الفيديو، أو حتى الخروج بتصريحات وتوضيح رسمي معلن حول حالات جدلية بناءً على طلبات الإدارة الحمراء.
حينها، تعامل اتحاد الكرة بمرونة فائقة تحت ضغط البيانات الرسمية، واعتبر أن “توضيح الحقائق للرأي العام وتلبية طلبات الأندية الكبرى أمر يصب في مصلحة الكرة المصرية”.
السؤال المشروع هنا:
هل لوائح “فيفا” تطبق فقط عندما يطلب الزمالك، وتتبخر عندما يطلب الأهلي؟
هل تسجيلات الـ VAR مقدسة وسرية للغاية عندما يتعلق الأمر بالقلعة البيضاء، بينما تصبح متاحة ومبررة عندما تخص القلعة الحمراء؟
هذا التناقض الصارخ هو ما يغذي التعصب الجماهيري ويضع لجان التحكيم واتحاد الكرة في دائرة الاتهام المستمر بالانحياز والمجاملة.
غياب العدالة يدمر المنافسة
إن نجاح أي مسابقة كروية في العالم يعتمد على ركيزتين أساسيتين: الشفافية الكاملة وتكافؤ الفرص. عندما يشعر نادٍ بحجم الزمالك وجماهيره العريضة بأنه يُعامل بقواعد مختلفة عن غريمه التقليدي الأهلي، فإن ذلك يولد حالة من الاحتقان الدائم، ويحول مباريات كرة القدم من مهرجانات رياضية إلى معارك تشكيك مستمرة في ذمة وذمم القائمين على اللعبة.
إن تقنية “الفار” وُجدت من الأساس لتقليل الأخطاء البشرية وتحقيق العدالة المطلقة، لا لكي تتحول إلى صندوق أسود تُدار أسراره بحسب اسم النادي أو حجم الضغوط الإعلامية الممارسة على اتحاد الكرة.
وأخيرا، إلى متى يستمر التخبط؟
كرة القدم المصرية لا تحتمل مزيداً من الانقسام أو القرارات العشوائية. إن اتحاد الكرة مطالب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بالخروج من عباءة المجاملات وتبني سياسة واضحة وشفافة تسري على الجميع بلا استثناء.
إذا كان الاستماع لتسجيلات الفار مسموحاً طبقاً للوائح، فيجب أن يتاح للجميع دون تمييز. وإذا كان مرفوضاً، فلماذا تم الاستثناء العام الماضي؟
العدالة لا تتجزأ، والشفافية هي المخرج الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في منظومة تحكيمية باتت تفقد مصداقيتها تدريجياً في أعين المتابعين كافة.
هل ترغب في تعديل بعض النقاط، أو تركيز الضوء بشكل أكبر على تصريحات مسؤولي الناديين حول هذه الأزمة؟


