تحت وطأة التحولات الجيوسياسية الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط، يطرح السؤال الملح: كيف يمكن لسوريا، التي أنهكتها سنوات من الحرب، أن تتحول إلى بوابة جديدة للتجارة والطاقة؟
فرصة استراتيجية
ذكرت صحيفة “Foreign Affairs” في مقال مطول، أن إغلاق مضيق هرمز نتيجة النزاع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، يمنح سوريا فرصة استراتيجية لا سابق لها لإعادة هيكلة التجارة الإقليمية.
في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تسعى لترسيخ مكانتها كمركز رئيسي للتجارة والطاقة، برز “سوريا ما بعد الأسد” كلاعب جديد، تستفيد من موقعها الجغرافي لتكون جسراً برياً يربط بين آسيا وأوروبا، متجاوزة بذلك الممرات الإسرائيلية التقليدية.
مزايا سوريا
يستعرض المقال مزايا سوريا الاستراتيجية التي تجعلها الخيار الأمثل للممرات التجارية الجديدة، منها:
- موقعها الجغرافي الذي يتوسط طرق التجارة بين الخليج وأوروبا، مما يمنحها دورًا حيويًا كجسر طبيعي بين القارتين.
- تفوق الممر السوري على البديل الإسرائيلي (الذي يمر عبر ميناء حيفا) من حيث المسافة والتكلفة، بالإضافة إلى عدم الحاجة لعبور نقاط تفتيش أمنية معقدة.
- قدرة سوريا الجديدة، بعد سقوط نظام الأسد، على تقديم نفسها كممر محايد سياسيًا، مما يزيد من جاذبيتها للدول العربية والأوروبية.
التحديات التي تواجه إسرائيل
من جهة أخرى، تعي إسرائيل أن نجاح الممر السوري يمثل تهديدًا لمكانتها الاقتصادية، إذ قد يؤدي إلى تراجع أهمية ميناء حيفا كمركز رئيسي للتجارة.
تخشى تل أبيب أيضًا أن يسهم هذا الممر في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في سوريا، مما يُضعف قدرتها على التأثير في الوضع الداخلي السوري. وفي هذا الإطار، تبذل إسرائيل جهودًا دبلوماسية لضمان عدم مشاركة الدول الأوروبية في هذه المشاريع وتعزز بدائل تعبر أراضيها، مع تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف البنية التحتية السورية.
المشاريع الكبرى في سوريا
يستعرض المقال ثلاثة مشاريع رئيسية تشكل العمود الفقري لاستراتيجية سوريا الجديدة:
- المشروع الأول: خط أنابيب النفط الممتد من البصرة في جنوب العراق إلى ميناء بانياس السوري، بطول 1600 كيلومتر وبتكلفة تقدر بـ 5.7 مليار دولار، مما يتيح تصدير النفط العراقي إلى أوروبا دون الحاجة لعبور مضيق هرمز.
- المشروع الثاني: سكك حديدية تربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا، حيث تم التوقيع مؤخرًا على اتفاقياتها.
- المشروع الثالث: ممر الطاقة والغاز الذي يهدف إلى نقل الغاز من الخليج إلى أوروبا عبر سورية، مما يمنح دمشق دورًا محوريًا في أمن الطاقة الأوروبي.
العقبات الداخلية
رغم هذه المشاريع، تواجه سوريا عقبات عدة قد تعرقل تنفيذها، أبرزها:
- غياب الاستقرار السياسي الكامل، إذ لا تزال تعاني من مرحلة انتقالية هشة بعد سقوط الأسد.
- وجود عقود امتياز طويلة الأمد تمنح شركات أجنبية نفوذًا قد يعقد تنفيذ المشاريع.
- تحديات تتعلق بالرقابة في إدارة المشاريع الجديدة، مما يثير مخاوف من الفساد وسوء الإدارة.
- التهديدات الأمنية المستمرة من الجماعات المسلحة والغارات الإسرائيلية.
الآفاق المستقبلية
بالرغم من هذه التحديات، تشير الصحيفة إلى أن غلق مضيق هرمز قد منح سوريا ثلاثة مكاسب استراتيجية: إعادة الاعتبار الجيوسياسي، عائدات تُقدَّر بمئتي مليون دولار سنويًا من رسوم عبور البضائع، وزيادة تنوع الشراكات مع دول الخليج وتركيا وأوروبا.
ختامًا، توضح الصحيفة أن المعركة المقبلة لن تكون عسكرية، بل اقتصادية وجيوسياسية، على خريطة التجارة والطاقة في الشرق الأوسط الجديد.


