تعتبر مقاومة الحملات العثمانية في الدرعية وغيرها من المناطق خلال فترات تاريخية حاسمة للدولة السعودية الأولى والثانية، اختبارًا حقيقيًّا لقدرة المجتمع على الصمود. لم تقتصر المواجهات على الصراعات العسكرية، بل اندمجت أيضًا في الأبعاد الاجتماعية، حيث كانت المرأة عنصرًا مركزيًا في الحفاظ على تماسك المجتمع وسط الفوضى والتحديات.
تقول الدكتورة فاطمة بنت حسين آل فردان القحطاني، أستاذة التاريخ بجامعة الملك سعود، إن الحديث عن دور النساء في المقاومة لا يعني تصوريهن كجنود في المعارك، بل يشير إلى أدوار واقعية نتجت عن الظروف التاريخية والاجتماعية، هذه الأدوار تجلت في مجالات متعددة.
الصمود اليومي
أوضحت القحطاني أن الدرعية لم تكن ساحة قتال عسكري فقط، بل كانت مركز مقاومة مجتمعي شامل، حيث ساهمت النساء في دعم الحياة اليومية تحت الحصار. بالإضافة إلى إدارة شؤون الأسرة وحماية الأطفال، تولت النساء أيضًا رعاية الجرحى وتأمين الغذاء، مما ساعد في الحفاظ على تماسك المجتمع في ظروف قاسية. تتضمن التقارير العثمانية تقديرًا لمقاومة المدينة كمجتمع كامل، ما يعكس دور كل أفراد المجتمع في مواجهة التحديات.
تعكس بعض الشهادات الأجنبية أيضًا أبعادًا أخرى من المقاومة النسائية، حيث وثق المؤرخ الفرنسي فيليكس منجان لحظات من القتال عندما أصدر الإمام عبدالله بن سعود أوامر لمهاجمة خطوط الأتراك بعد غياب إبراهيم باشا. ووُصفت المعركة بشراسة، مع استمرار نيران البنادق لفترات طويلة. في هذا السياق، شوهدت النساء يحملن المياه لإسقاء المدافعين، مما يوثق إسهاماتهن كمشاركات فعاليات في زمن الحرب، ويعكس الروح التضامنية التي ميزت المجتمع السعودي.
التحصين واليقظة الأمنية
في الأحداث التي وقعت في بلدة شقراء عام 1818، تجلت أدوار النساء في الجهود الدفاعية، حيث انخرط السكان، رجالاً ونساءً، في استكمال خندق لحماية البلدة. هذا العمل الجماعي يبرز طبيعة المقاومة كممارسة مجتمعية، جنّدت النساء فيها قواهن لمواجهة المخاطر. تأتي هذه المشاركة في إطار من التضحية والالتزام، مما يؤكد أن دور المرأة في زمن الحرب لم يكن محصورًا في الدعم المعنوي، بل تضمن المشاركة الفعلية في الأعمال الدفاعية.
أضافت القحطاني أن النساء لم يقتصر دورهن على الصمود والجهود الدفاعية، بل كنّ حاضرات في تعزيز الوعي الأمني. تشير الروايات المحلية إلى دور امرأة كانت تطحن في الليل، أدركت الأصوات الغريبة، وأبلغت السلطات بالتهديد، مما أسهم في حماية المدينة من الانتهاكات. هذه التجربة تعكس قدرة النساء على التحليل واتخاذ الخطوات الصحيحة، مما يدل على أن المشاركة النسائية في المقاومة لم تكن رمزية، بل عملية وعميقة.
الحضور العسكري
لم يقتصر دور النساء على أدوار الإسناد، بل أسفرت المصادر عن تأكيد وجود مشاركة عسكرية نسائية في ظروف خاصة، إذ تحمل النساء السلاح أحيانًا كفعل دفاعي. رغم أن التدوين التقليدي لم يُفرد أسماء النساء، تشير الإشارات العامة إلى ذلك النوع من المشاركة، مما يسهم في فهم أوسع لدور النساء باعتبارهن جزءًا من المنظومة الدفاعية.
غالية البقمية تُعدّ مثالًا بارزًا لمشاركة النساء، حيث ساهمت في تعزيز معنويات المدافعين من قبيلتها خلال حصار البلدة. وقد شهدت الفترة انتصاراً بعد معركة وادي السليم التي أدت إلى هزيمة القوات العثمانية، مما يُبرز دور النساء في التغيير الفعلي لمسار المواجهة.
مقاومة تُهمش في التاريخ
تؤكد القحطاني أن النساء لعبن أدوارًا تحفيزية عبر الكلمة والموقف، وهو دور قد غاب عنه التدوين التاريخي في كثير من الأحيان. لقد ساهم الصوت النسائي من خلال الشعر في ترسيخ قيم الشجاعة والثبات. تمثل موضي بنت سعد الدهلوي نموذجًا مشرقًا، حيث استخدمت شعرها في تحفيز الرجال على الدفاع عن المجتمع.
خلال حصار بلدة الرس، أطلقت موضي قصيدتها الشهيرة التي شكلت أداة تعبئة وطنية مرموقة، وأسهمت في تأكيد قوة الصوت النسائي وتأثيره في صناعة التاريخ. اختتمت القحطاني حديثها بأن الكتابة عن الحضور النسائي في مقاومة المحتل تعزز الوعي بتاريخ الدولة السعودية، وتعمق الفهم بأهمية تماسك المجتمع وما أسهمت به النساء في تلك الفترات الحرجة.


