على الرغم من عدم إحراز أي تقدم في المفاوضات الروسية – الأوكرانية التي عُقدت الجمعة في تركيا، والتي اعتُبرت “صورية” من قبل العديد من المراقبين، لم يُستعمل مصطلح “فشل” من قبل أي من الأطراف المعنية. ولكن الأجواء تُشير بلا شك إلى استمرار غياب السلام، حيث تُظهر النتائج أن تلك المحادثات لم تكن سوى مناورات سياسية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بمساندة حلفائهم الغربيين، للتأثير على موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
اتصال لافروف مع روبيو
في تطور آخر، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اتصالاً هاتفياً مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، يوم السبت، حيث رحَّب بالدور الإيجابي للولايات المتحدة في استئناف المحادثات بين روسيا وأوكرانيا. وأفادت وزارة الخارجية الروسية عبر قناتها على “تلغرام”، بأن لافروف اتفق مع روبيو على ضرورة مواصلة الاتصالات بين البلدين.
من جهة أخرى، وصف الرئيس الأوكراني، يوم السبت، الوفد الروسي الذي شارك في محادثات السلام بإسطنبول بأنه “ضعيف وغير مستعد ومن دون تفويض”. كما أشار زيلينسكي عبر منصة “إكس” إلى توقعه فرض عقوبات صارمة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا، مؤكداً أن الأخيرة لن تسعى لتحقيق دبلوماسية حقيقية دون ضغط أكبر وعقوبات أشد.
انتظار تقييم ترمب
حتى الآن، لم يُصدر أي تقييم من إدارة ترمب بشأن ما جرى في إسطنبول. ويبدو أن هناك توافقاً على أن أي تقدم في المفاوضات لن يُحقق دون لقاء بين ترمب وبوتين. وقد أشار الكرملين إلى إمكانية اللقاء بين الرئيسين، شرط أن يسبقه إبرام “اتفاقات” بين موسكو وكييف.
في الوقت نفسه، اعتبرت العديد من الصحف الأمريكية أن المحادثات التي اقترحها بوتين لم تُظهر استعداده للتوصل إلى اتفاق، بل أكدت أنه يمثل العقبة أمام السلام. وقد تمكن الأوكرانيون وداعمهم الأوروبيون من إبراز دعمهم لخطة ترمب لوقف إطلاق نار غير مشروط لمدة 30 يوماً، التي يرفضها بوتين بالإضافة إلى رفض وفده حتى مجرد التطرق إليها.
مطالب بوتين لا تتغير
كشفت مفاوضات إسطنبول أن مطالب بوتين لم تتغير منذ بداية الحرب، حيث تتضمن التنازلات الإقليمية من كييف، وتقليص حجم الجيش الأوكراني، ووعوداً بعدم انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو). كما تضمنت مطالب بوتين تنازلات إضافية عن أراض لم تُستولى عليها موسكو بعد.
وصرح مسؤول أوكراني رفيع المستوى مطلع على المحادثات لـ”رويترز” أن المفاوضين الروس طالبوا كييف بسحب قواتها من جميع المناطق الأوكرانية التي تطالب موسكو بالسيادة عليها. وتجاوز هذا الطلب شروط مسودة الاتفاق المقترح من الولايات المتحدة، الشهر الماضي، بعد مشاورات مع موسكو.
تشدد بوتين وأثره على ترمب
تناولت وسائل إعلام أمريكية أن استراتيجية بوتين المتشددة قد تدفع ترمب إلى اتخاذ مواقف متشددة، بعد انزعاجه الأخير من تعنت بوتين، وتعرضه لضغوط داخلية وخارجية لتشديد العقوبات. وقد انتقد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، غياب بوتين عن اجتماع إسطنبول، مؤكداً أن أوروبا لم تبذل جهداً كافياً لإنهاء الحرب.
وذكر ميرتس أنه سيبذل قصارى جهده لتمكين أوكرانيا من الدفاع عن نفسها، مؤكداً أن بوتين سيتنبه في النهاية إلى عدم إمكانية استمرار الوضع الحالي. كما حاول القادة الأوروبيون استغلال الحدث لإقناع ترمب بزيادة جهوده لدعم مطلبه بوقف إطلاق النار.
مكاسب سياسية للطرفين
اعتُبر اجتماع إسطنبول نجاحاً سياسياً لبوتين الذي رفض وقف إطلاق النار قبل أي مفاوضات، ولكنه أيضاً مكسب لأوكرانيا، حيث اتبعت نصائح الأوروبيين بقبول مطالب ترمب بدون شروط، بما في ذلك الدعوة لوقف إطلاق النار.
بعد المكالمة الهاتفية، قدم الأوروبيون إنذاراً لبوتين بضرورة قبول وقف إطلاق النار أو مواجهة عقوبات جديدة على صادرات النفط والغاز، في خطوة تعكس تغير الموقف الألماني بعد استعداد ميرتس لفرض عقوبات أشد.
تصعيد عسكري متبادل
على صعيد آخر، كثف الجيش الروسي من قصفه على أوكرانيا بعد ساعات من اجتماع إسطنبول، حيث استهدفت طائرة روسية من دون طيار حافلة في منطقة سومي الشمالية الشرقية، مما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 4. وقد وصفت كييف الهجوم بأنه جريمة حرب.
في المقابل، استهدف جهاز الأمن الأوكراني مستودع ذخيرة في شبه جزيرة القرم، مما تسبب في انفجار كبير. وقد أكّد الرئيس زيلينسكي أن روسيا تجمع أكثر من 67 ألف جندي في تلك المنطقة، محضرة لهجوم جديد.
تتمسك موسكو برفضها لقبول وقف إطلاق النار، معتبرة أنه يكسب كييف الوقت لتعزيز قدراتها الدفاعية، في ظل تصاعد المعارك لمصلحة الجيش الروسي.


