تشهد مصر في السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف التعليم في المدارس الدولية، مما يؤثر بشكل مباشر على الأسر المصرية، والباحثين عن تعليم متميز لأبنائهم في بيئة تعليمية عالمية. دينا محمد، أم لثلاث فتيات، تقدم نموذجاً حياً لهذا التحدي، حيث تتجاوز مصروفات التعليم في مدرسة “مصر الحديثة” 150 ألف جنيه سنوياً.
الزيادة في التكاليف
توضح دينا، التي تقطن بحي التجمع الشرقي، أن المصروفات شهدت زيادات تراوحت بين 20 و30 ألف جنيه خلال العامين الماضيين. هذا الأمر أدى إلى زيادة العبء المالي على الأسر، مع احتساب مبالغ إضافية للأنشطة والامتحانات.
برغم الظروف الاقتصادية الصعبة، تستمر الأسر المصرية في السعي للالتحاق بالمدارس الدولية، ما يعكس إصرارها على توفير أفضل تعليم لأبنائها. تقول دينا إنها كانت قلقة في بداية العام الدراسي من عدم قدرة ابنتها الصغيرة على الالتحاق بنفس المدرسة مع شقيقاتها، بسبب الأعداد الكبيرة من المتقدمين.
أنواع المدارس الدولية
تتميز المدارس الدولية، المعروفة بالإنترناشيونال، باتباع منهج دولي معتمد، وتعتبر مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة من الأغلى، حيث وصلت مصروفات مرحلة رياض الأطفال للعام الدراسي الحالي إلى 13.500 دولار، بالمقارنة مع 12 ألف دولار في العام الدراسي السابق.
تتراوح مصروفات المدارس الدولية الأخرى بين 80 و300 ألف جنيه حسب المرحلة التعليمية ونوعية التعليم المتاحة، وتتزايد هذه التكاليف سنوياً.
استغلال الأسر
الدكتورة داليا الحزاوي، مؤسسة “ائتلاف أولياء أمور مصر” والخبيرة في الشأن التربوي، تشير إلى أن بعض المدارس تستغل المكانة الاجتماعية والاقتصادية لأولياء الأمور عبر زيادة المصروفات بشكل غير مبرر. وتعتبر الأسر هذه النفقات استثماراً في مستقبل أبنائهم.
وفقاً لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، تم إنشاء أول مدرسة دولية في مصر عام 2002، ليصل العدد في عام 2020 إلى 785 مدرسة دولية، في زيادة كبيرة تعكس الطلب على التعليم الدولي.
فرص العمل والتوظيف
يوضح الخبير الاقتصادي المصري، عادل عامر، أن التعليم الدولي يوفر للخريجين فرصاً أفضل وأسرع في سوق العمل مقارنة بالمدارس الحكومية. كما أن الطلب المتزايد على التعليم أصبح شكلاً من أشكال “البزنس” للمستثمرين الذين يرغبون في تحقيق أرباح سريعة من خلال التعليم.
خلال الفترة الأخيرة، اضطرت مصر إلى إنشاء فروع لجامعات دولية في البلاد، حيث تحتوي حالياً على 9 فروع لجامعات أجنبية، بالإضافة إلى 9 جامعات أخرى في إطار اتفاقيات دولية، حسب وزارة التعليم العالي.
مصروفات الجامعات الدولية
تشهد الجامعات الدولية مصروفات مرتفعة مقارنة بالجامعات الحكومية، حيث تصل تكلفة الساعة المعتمدة في الجامعة الأميركية إلى 667 دولاراً لطلاب البكالوريوس المصريين و735 دولاراً للأجانب.
تؤكد وزارة التعليم العالي أن تدويل التعليم يعد من الأولويات الاستراتيجية، بهدف تعزيز جودة التعليم في مصر.
زيادة الإقبال على التعليم الدولي
حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الطلاب المقيدين بالجامعات الخاصة والأهلية 364.990 طالباً في عام 2023، بزيادة ملحوظة عن العام السابق.
تعتبر الدكتورة أماني عاطف، الباحثة بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، أن الحالة الاقتصادية للأسر تلعب دوراً محوريًا في اتخاذ القرار بشأن نوعية التعليم، مما يسهم في تفاقم الفجوة بين الأنماط المختلفة للتعليم.
الوجاهة الاجتماعية
تربط أماني الاهتمام المتزايد بالتعليم الأجنبي بوعي الأسر بأهمية تعليم اللغات الأجنبية، وجودة التعليم، والتي تفتح بدورها فرصاً للتعليم في الخارج. كما أن التعليم، وفقاً لكثيرين، أصبح رمزاً للوجاهة الاجتماعية.
تشير الحزاوي إلى أن التعليم الدولي يُعتبر استثماراً مستداماً لمستقبل الأبناء، حيث يوفر بيئة تعليمية متطورة تعزز من مهارات الطالب. إلا أنها تحذر من بعض الآثار السلبية المتعلقة بالتباين الطبقي وتراجع الاهتمام باللغة العربية.


