عادت المخاوف من نشاط تنظيم “داعش” لتطفو مجددًا في ليبيا، بعد عشر سنوات من سقوط ما عُرف بـ”إمارة التنظيم” في سرت. يأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات أميركية تشير إلى أن التنظيم يستعيد قوته تدريجيًا في مناطق متعددة من البلاد.
تزايد قلق الليبيين بشأن داعش
في وقت لا توجد فيه مؤشرات ملموسة على نشاط ميداني واضح للتنظيم، أعلنت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” عبر منصة “منبر الدفاع الأفريقي” أن “شوكة التنظيم تقوى بهدوء”. ويُنسَب هذا التعزيز إلى استغلال “داعش” لشبكات تهريب البشر ومسارات الهجرة غير الشرعية.
أثارت التحذيرات الأميركية نقاشات حادة في الأوساط الليبية حول احتمالية العودة الهادئة للتنظيم، الأمر الذي استقطب تركيز وسائل الإعلام المحلية وأبرز المخاطر المتوقعة لنشاطه المتخفي، خاصة في سياق البيئة الأمنية الهشة التي تعاني منها البلاد منذ سنوات.
شهادات من مقاتلين سابقين
أجرت صحيفة “الشرق الأوسط” حوارات مع مقاتلين سابقين شاركوا في عملية “البنيان المرصوص” التي أدت إلى دحر التنظيم عام 2016. وأشار المقاتلون إلى أن خطر “داعش” لا يزال قائمًا، حيث قال عبد الحميد خضر، آمر كتيبة مشاة سابق: “القلق من عودة التنظيم منطقي، ولا يمكن استبعاد عودة عناصر إلى البلاد”.
وعبر خضر عن مخاوفه مستندًا إلى مستوى التكتيك والتسليح الذي كان يمتلكه التنظيم، مشيرًا إلى تدخل المقاتلات الأميركية في المعركة. ومن واقع تجربته، اعتبر أن “داعش” قد يكون “صناعة جهات غربية” بالنظر إلى ترسانته من الأسلحة المتطورة.
تاريخ القتال ضد داعش
في ديسمبر 2016، تمكنت قوة “البنيان المرصوص” المتكونة من عسكريين ومدنيين، بدعم من القوات الأميركية، من تحرير مدينة سرت من يد التنظيم، بعد معركة بدأت في مايو من نفس العام. كانت المدينة قد سقطت في قبضة “داعش” منذ يناير 2015، حيث أعلن التنظيم عن “إمارته” فيها.
يقول سالم كرواد، مقاتل سابق في العملية، إن “الاستقرار النسبي الحالي لا يعني زوال خطر التنظيم” محذرًا من إمكانية حدوث فراغات أمنية يستغلها “داعش” لإعادة ترتيب صفوفه في ظل الانقسامات السياسية والأمنية.
القلق الدولي وتأثير التوترات
يمثل “داعش” هاجسًا يسيطر على قطاع واسع من النخب الليبية، خاصة بعد إعلان السلطات التونسية عن عودة نحو 1715 عنصرًا قاتلوا في صفوف التنظيم، مما استدعى تحذيرات من حزب “صوت الشعب” حول المخاطر الأمنية التي قد تهدد ليبيا ودول المنطقة المغاربية.
وسبق أن تداولت وسائل الإعلام المحلية مقطع فيديو يظهر عناصر من التنظيم في معسكرات تدريب في دول مجاورة مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، مما يزيد من الهواجس الليبية حول نشاط التنظيم في المنطقة.
تحذيرات أفريكوم وتوقعات الباحثين
ذكرت الذراع الإعلامية لـ”أفريكوم” أن نشاط “داعش” بدأ يتزايد منذ العام الماضي، مدعومةً بفكك السلطات الليبية لثلاث خلايا مرتبطة بالتنظيم في الجنوب. وتحدثت التقارير عن وصف ليبيا بأنها “منصة انطلاق” للتنظيم، مما يعكس تحديات أمنية متزايدة.
يقول الباحث الأمني محمد السنوسي إن “تعقيد المشهد الأمني في ليبيا يثير مخاوف جدية بشأن احتمال عودة “داعش”. ويشير إلى الحادثة الأخيرة التي طالت حقل الشرارة النفطي، معتبرًا أنها قد تكون صلة مباشرة بالتنظيم، خاصة مع سوابقه في استهداف منشآت نفطية.
فوضى الساحل الأفريقي والتحديات الأمنية
منطقة الساحل الأفريقي تعتبر بيئة خصبة لنمو الجماعات المسلحة، بما فيها “داعش”. كشف “مؤشر الإرهاب العالمي” عن تصدر هذه الدول للوفيات بسبب التطرف على مستوى العالم، ما يزيد من تعقيد التحديات الأمنية في ليبيا.
يرى السنوسي أن الضغوط الأمنية المتزايدة على الجماعات المتطرفة في دول الساحل قد تدفع بعض العناصر لإعادة التموضع في ليبيا نتيجة لوجود شبكة لوجستية خاصة بالتنظيمات المتطرفة في الجنوب.
تساؤلات حول التوقيت والتحذيرات
تحذيرات “أفريكوم” جاءت في توقيت مثير للجدل، حيث تتزامن مع استعدادات لمناورات أميركية في سرت. اعتبر الكثيرون أن هذه التحذيرات قد تتعلق بمحاولة تعزيز أهمية هذه المناورات. ومن جهة أخرى، عبرت كلوديا غازيني من “مجموعة الأزمات الدولية” عن شكوكها بشأن وجود دلائل ملموسة تدعم مخاوف العودة، مشيرة إلى أن تكرار القلق لا يستند إلى تقييمات دقيقة حاليًا.


