العلاقات اللبنانية الإيرانية أمام مفترق طرق حاسم، وسط مخاوف من تفاقم الوضع وتعقيد المشهد السياسي في المنطقة. مصادر سياسية رفيعة تحذر من أن الزيارات المتبادلة بين وزيري خارجية البلدين لن تحقق تقدماً ملموساً، ما لم تتخذ طهران قراراً حاسماً بوقف تدخلها في الشؤون الداخلية اللبنانية.
زيارات و”كلمات سر”
تتوالى زيارات مسؤولين إيرانيين إلى لبنان، غالباً دون دعوات رسمية مسبقة، يقتصرون على إعلام الجانب اللبناني بموعد وصولهم. وتهدف هذه اللقاءات إلى توفير غطاء سياسي لاجتماعاتهم مع قيادات “حزب الله” وحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. لكن العديد من القوى السياسية اللبنانية أصبحت تتحفظ على هذه اللقاءات رفضاً لسياسات طهران.
من يحمل “كلمة السر” في هذه الوفود الإيرانية المتكررة؟ وهل يلتزم هؤلاء المسؤولون بتعهداتهم المعلنة بعدم التدخل في الشأن اللبناني؟ أسئلة تتردد في الأوساط السياسية اللبنانية، خاصة في ظل استمرار دعم طهران لحلفائها في لبنان.
سلاح الفصائل الفلسطينية
كيف يسمح المسؤولون الإيرانيون باستقبال قادة “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، في حين ترفض هذه الفصائل الاستجابة لمطالب الحكومة اللبنانية بجمع السلاح الفلسطيني في المخيمات؟ وأين يقف هؤلاء المسؤولون من تحريض “حزب الله” لعرقلة خطط الحكومة لجمع السلاح؟
تصريحات مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، التي يعتبر فيها أن “حزب الله” أهم من الخبز والماء بالنسبة للبنان، وسلاحه ضروري لتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي، تتعارض مع تعهدات طهران بعدم التدخل. فما هو التفسير الإيراني لوجود خبراء عسكريين إيرانيين قتلوا في لبنان أثناء تواجدهم مع قيادات “حزب الله”؟
أزمة صامتة مستمرة
على الرغم من حرص وزير الخارجية اللبناني على التعامل بحذر مع الدعوة الإيرانية لزيارة طهران، إلا أن الأزمة الصامتة بين البلدين لا تزال قائمة. إصرار القيادة الإيرانية على التدخل في الشأن اللبناني، سواء بشكل مباشر أو عبر “حزب الله”، يضعف العلاقات الثنائية.
“حزب الله” والمفاوضات
يربط “حزب الله” موقفه من المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، بمفاوضات إيران مع الولايات المتحدة. الحزب يضع موقفه النهائي من المفاوضات بتصرف القيادة الإيرانية لتحسين شروطها في مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية.
تصر إيران على استخدام لبنان منصة لتوجيه الرسائل إلى الولايات المتحدة، في محاولة لتعويض خسائرها في المنطقة. سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وإخفاق “حزب الله” في إسناد غزة، والضربات التي تعرضت لها جماعة الحوثي في اليمن، كلها عوامل تدفع طهران للتمسك بنفوذها في لبنان.
توتر وقلق إيراني
التوتر السياسي يسيطر على أداء القيادة الإيرانية في المنطقة، وهذا ما انعكس على خطاب أمين عام “حزب الله” الأخير، الذي دعا فيه إلى وقف المفاوضات مع إسرائيل. إصراره على التمسك بسلاح الحزب ورفض نزعه، يعكس حالة من القلق والتوتر الإيراني حيال التطورات المتسارعة في المنطقة.
تصعيد “حزب الله” يبقى محصوراً بإطلاق مواقف من العيار الثقيل، مع التزامه بوقف النار. دعم الحزب لغزة أدى إلى خلل في ميزان القوى وافتقاده لتوازن الردع مع إسرائيل، وهو حريص على مراعاة المزاج الشيعي العام.
مصير الاستراتيجية الدفاعية
يصر أمين عام “حزب الله” على ربط مصير سلاح الحزب بالتوافق على الاستراتيجية الدفاعية للبنان، فيما تعتبر الحكومة أن دعوته لوقف المفاوضات انقلاب على موقفه المؤيد لاتفاق وقف الأعمال العدائية.
ما مصير الحوار الذي بدأ بين الرئيس اللبناني و”حزب الله” حول الاستراتيجية الدفاعية؟ ولماذا لم ينشر الحزب “الالتزام” الذي يقول نوابه إن الرئيس عون أعطاه قبل انتخابه، والذي لا يتضمن إشارة إلى سحب سلاح الحزب؟
فرصة لإعادة النظر
يمنح الرئيس اللبناني “حزب الله” فرصة لإعادة النظر في قراءته للوضع اللبناني، من زاوية الأكلاف الناجمة عن تفرده بإسناده لغزة. ويجب على الحزب أن يضع سلاحه بعهدة الدولة لاستقدام الضغوط الدولية على إسرائيل.


