تتوالى الزيارات إلى كوبا، المعروفة بلؤلؤة الكاريبي، التي تعاني منذ أكثر من ستة عقود من أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث، والذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي في 22 أكتوبر 1962. يُنظر إلى كوبا اليوم كرمز للمقاومة والصمود أمام هيمنة الولايات المتحدة.
أزمة إنسانية متصاعدة
تشهد البلاد هذه المرة حالة انهيار متوقع بعد سنوات من التقشف الشديد، حيث تعاني من نقص حاد في الغذاء والوقود والأدوية. تتصاعد الاحتجاجات الشعبية في ظل قمع سياسي متزايد وخنق للحريات العامة.
لا يتطلب الأمر الكثير من البحث في العاصمة هافانا لفهم تأثير “حصار الوقود” الذي فرضته واشنطن، حيث انضمت إليه بدورها المكسيك وروسيا بعد تقليص الإمدادات الحيوية من فنزويلا، الشريك الاقتصادي الأهم لكوبا منذ عهد هوغو شافيز.
تراجع دور كوبا في المشهد الإقليمي
على مر السنوات، فقدت كوبا مكانتها كحليف رئيسي لليساريين في أمريكا اللاتينية، حيث تفجرت بقوة أنظمة استبدادية تعاني من الفقر. الثورة الكوبية تواجه اليوم تحديات كبيرة بسبب اعتمادها المفرط على الاقتصاد الخارجي وتراجع الإنتاجية، بينما تستعيد الولايات المتحدة اهتمامها بالجزيرة التي كادت أن تشعل أول حرب نووية في التاريخ.
غالباً ما يُنسى أن الحصار الأمريكي مثّل جزءاً من مشكلة أوسع، حيث أسهمت السياسات الداخلية الخاطئة في تفاقم الأزمات الاقتصادية. البلاد لم تعد تطمح سوى لتلبية احتياجاتها الأساسية في ظل العجز المزمن للدولة عن سداد المستحقات.
إجراءات الحكومة والتداعيات
أدت التدابير الأخيرة التي اتخذتها الحكومة إلى مشهد سوريالي من الجمود والقلق، مثل تخفيض خدمات النقل العمومي وإغلاق الجامعات، ما يذكر بفترة القلق في تسعينات القرن الماضي، وكان ذلك قبل سنوات من هجومات إدارة ترامب ضد الجزيرة.
رغم بداية الانهيار الواضح، لا يزال البعض يعتبر كوبا ضحية للإجراءات الأمريكية، مُتجاهلين الوقائع التاريخية التي أوصلت الثورة إلى هذا الحال. النظام الحالي يرفع شعار الضحية، مطالبًا بالتضامن الدولي بينما يتلافى المسؤولية عن الأخطاء الكبيرة في قراراته.
الاعتقالات وتزايد القمع
تضاعفت حملات الاعتقال ضد المفكرين والأكاديميين المطالبين بالإصلاح، حيث تُخونهم الحكومة وتتهمهم بالتواطؤ مع الخارج. هذا بينما يستمر النظام في رفع شعارات التضامن وترويج صورة إيجابية عن الثورة رغم الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
العلاقة اليوم بين اليسار الدولي وكوبا لم تعد كما كانت، إذ تواجه الجزيرة أزمة إنسانية حادة. وعلى الرغم من أن الحكومة لا تزال تحتفظ ببعض الوسائل لمواجهة الانهيار، فإن تأثير الحصار على إمدادات النفط يبقى كبيراً.
التوقعات ومستقبل كوبا
تتوقع الحكومة أن تساعدها المكسيك وروسيا في الحفاظ على بعض الخدمات الأساسية، لكنها تدرك كذلك أن احتمالية الانفجار الاجتماعي تلوح في الأفق. قد يكون هذا الانهيار هو الذي سيشجع على إعادة التفكير في العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة إذا خسر الجمهوريون الانتخابات القادمة.
الأسابيع المقبلة ستشكل منعطفًا حاسمًا لمستقبل كوبا. في حين أنه من المتفق عليه أن الوضع الراهن يعود لجذور متعددة، يظل القلق بشأن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي حاضرًا. تحذيرات القادة مثل تشي غيفارا، التي تم تجاهلها في السابق، تكتسب الآن مصداقية بعد الضغوط المتزايدة التي تشهدها الجزيرة.


