أصدرت محكمة في باريس، يوم الاثنين، حكماً يدين شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى، بهدف ضمان استمرار عمل مصنعها في سوريا. وهذا الحكم يأتي بعد اعتراف الشركة بتقديم دعم مادي لمنظمات مصنفة «إرهابية» في الولايات المتحدة.
تفاصيل الاحتيال المالي
أظهرت المحكمة أن «لافارج»، التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية، دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا». هذه المدفوعات كانت لمجموعة من الجماعات المتطرفة ووسطاء لضمان حماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.
وأوضحت قاضية المحكمة، إيزابيل بريفوست-ديسبريز، أن هذه التصرفات مكنت تنظيم «داعش» من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا، مما ساعد على تمويل أعماله الإرهابية داخل المنطقة وخارجها، خصوصاً في أوروبا.
الاعتراف بالذنب والعقوبات
في عام 2022، اعترفت شركة «لافارج» في الولايات المتحدة بتقديم دعم مادي لأطراف مصنفة إرهابية، مما أدى إلى غرامة غير مسبوقة تبلغ 778 مليون دولار. وقد أتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية بتكلفة 680 مليون دولار عام 2010، قبل اشتعال النزاع المسلح في سوريا.
سيطر تنظيم «داعش» في عام 2014 على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، معلنًا تأسيس «خلافة» هناك. ومع خروج عدة شركات دولية من السوق السورية في عام 2012، استمرت «لافارج» في العمل، حيث غادرت موظفيها الأجانب واحتفظت بالسوريين حتى سبتمبر 2014، عندما سيطر التنظيم على المصنع.
توجيه تهم خطيرة
تضمنت قائمة المتهمين إلى جانب «لافارج» الرئيس التنفيذي السابق برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين، سواء من العمليات أو حتى الأمن، بالإضافة إلى وسطاء سوريين. يتعرض هؤلاء لمُطالبات تتعلق بتمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الدولية.
وذكر المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب خلال مرافعته الختامية أن «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات إرهابية، وطالب بفرض غرامة تصل إلى 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول الشركة.
تصريحات الدفاع والتجاهل للمسؤولية
كما طالب المدعون بسجن لافون (69 عاماً) لفترة تصل إلى ست سنوات، بينما ينفي هو أي علم له بالمدفوعات غير القانونية. وقد أشار المدعون إلى أن الرئيس السابق للشركة أعطى تعليمات واضحة للحفاظ على تشغيل المصنع.
وفي محاكمة سابقة، قال كريستيان هارو، نائب المدير الإداري السابق، إن قرار الإبقاء على المصنع مفتوحًا كان بدافع المخاوف بشأن سلامة الموظفين المحليين. وأكد أن التخلي عن المصنع كان يعني خطرًا كبيرًا على العاملين.
مدفوعات لداعش والجماعات المتطرفة
وفقًا لمكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، وصلت المدفوعات للجماعات المصنفة كإرهابية إلى ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار). من جهتها، أعلنت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015 أنها لم تكن على علم بهذه التعاملات في سوريا.
لا تزال هناك قضية أخرى معنية باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية جارية. وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من دحر تنظيم «داعش» من آخر معاقله في سوريا.
تحقيقات مستمرة حول الجرائم
في عام 2017، فتحت السلطات الفرنسية تحقيقًا بعد تقارير إعلامية وشكاوى قانونية، تضمنت شكوى من وزارة المالية بشأن انتهاك عقوبات اقتصادية. وادعت وزارة العدل الأمريكية أن «لافارج» سعت للحصول على دعم من تنظيم «داعش» لاستبعاد منافسين لها.
الجدير بالذكر أن برونو لافون، الذي شغل منصب الرئيس التنفيذي منذ 2007 حتى 2015، وصف التحقيق الذي أُجري ضده بأنه منحاز وغير عادل، وسط تعقيدات قانونية متزايدة تتعلق بمسؤولياته.


