على الرغم من بلوغ أسعار النفط مستويات قياسية تقترب من التسعين دولارًا للبرميل، تظل المخاوف قائمة لدى الليبيين من أن هذه الزيادة لن تنعكس إيجابًا على اقتصادهم. يشير العديد من المحللين إلى أن الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين يقيد قدرة الدولة على استثمار العوائد المتوقعة، بينما يسهم الإنفاق غير المنضبط في زيادة الدين العام ويضعف القوة الشرائية للمواطنين.
الإنفاق وارتفاع الدين
تتفاقم أزمة الاقتصاد الليبي بفعل افتقار «المؤسسة الوطنية للنفط» إلى ميزانية تشغيلية كافية، ما يحد من قدراتها الإنتاجية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يزيد من تكلفة استيراد الوقود والسلع الأساسية، مما يعقد من مهمة تحسين الوضع المعيشي للمواطنين.
وفي هذا السياق، يرى عبد المنعم اليسير، عضو «المؤتمر الوطني» السابق، أن الفساد المستشري في مؤسسات الدولة يقضي على أي فائض يمكن أن يتحقق من العوائد النفطية قبل وصولها إلى المواطنين. ورغم الزيادة المتوقعة في هذه العوائد، يؤكد اليسير أن الاستفادة منها ستكون محدودة نظرًا لضعف البنية الاقتصادية.
ازدواجية السلطة
ليبيا تعيش حالة من الازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة أخرى برئاسة أسامة حماد مدعومة من البرلمان وقائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر. هذه الحالة تضعف قدرة الدولة على إدارة عوائد النفط بشكل فعال.
وفقًا لبيانات «المصرف المركزي»، بلغت الإيرادات النفطية للبلاد في عام 2024 حوالي 136 مليار دينار، في حين أن فاتورة الرواتب وحدها تخطت 73 مليار دينار. يساوي الدولار 6.32 دينار في السوق الرسمية بينما يتجاوز 10 دنانير في السوق الموازية. مع ذلك، تظل ليبيا ضمن أسوأ خمس دول في العالم من حيث الفساد، وفقًا لـ«منظمة الشفافية الدولية».
الحاجة للإصلاح
يدعو اليسير إلى ضرورة تحقيق المصلحة الوطنية من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية لمؤسسة النفط، مع ضرورة توافر ميزانية كافية ونظام رقابي صارم. كما أكد على أهمية توجيه العوائد نحو ترميم المصافي لتقليل فاتورة استيراد الوقود، وإعادة هيكلة الشركات المتعثرة لمعالجة أزمة البطالة.
من جهته، يرى حافظ الغويل، مدير برنامج «مركز ستيمسون» بواشنطن، أن الزيادة المتوقعة في العوائد النفطية قد تؤدي إلى تفاقم المنافسة على هذه العوائد، مما يزيد من منسوب العنف. هذا يعود إلى تصاعد الإنفاق بين الحكومتين في بيئة تتفشى فيها الفساد وتغيب عنها الرقابة.
الآفاق الاقتصادية
شهد إنتاج ليبيا النفطي في يناير الماضي 42.7 مليون برميل، بمتوسط يومي يبلغ 1.377 مليون برميل. بينما تزايد سعر البرميل حالياً ليقترب من 90 دولارًا وسط توقعات بارتفاعه إلى 150 دولارًا إذا استمر الصراع. يقدر الخبير الاقتصادي محمد الصافي الزيادة المحتملة في العوائد بحوالي 8 مليارات دولار سنويًا إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع.
وأشار الصافي إلى أن تجربة الماضي حين وصلت أسعار النفط إلى 130 دولارًا أدت إلى إنشاء «الصندوق السيادي» الذي شهد أنفاق مليارات على مشاريع شابها الفساد. ومع زيادة الدين العام، تحذر التحليلات من أن فاتورة استيراد الوقود المرتفعة قد تلتهم أي عوائد إضافية.
القلق العام
يشدد الناشط السياسي أحمد التواتي على أهمية تأمين كميات كافية من السلع الغذائية والأدوية، في ظل تغير مسارات الشحن البحري وارتفاع تكاليف النقل. ومع ذلك، انتقد التواتي تركيز الحكومتين على مصالحهما الخاصة، في وقت يعاني فيه المواطنون من غلاء الأسعار ولعدم وجود سياسة اقتصادية واضحة.
على الرغم من ارتفاع أسعار النفط، فإن الشارع الليبي غير متفائل بأن أي زيادة في الإيرادات ستعود بالنفع على تحسين مستوى المعيشة. يعيش المواطنون في ترقب، مشددين على ضرورة الإصلاحات الجوهرية لضمان توجيه العوائد نحو تحسين الظروف الاقتصادية.


