رغم التقدم البطيء الذي تحرزه القوات الروسية في شرق أوكرانيا، يبدو أن تحقيق النصر العسكري يظل بعيد المنال بعد أربع سنوات من بدء “العملية العسكرية الخاصة”، التي تحولت إلى حرب طويلة الأمد لم تتمكن خلالها روسيا، بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، من تحقيق أهدافها. ويشير بعض الخبراء الأميركيين إلى أن الوضع الميداني يدل على عدم قدرة بوتين على إخضاع أوكرانيا، بل يُحتمل أن تواجه روسيا هزيمة استراتيجية.
تحليل الدبلوماسيين
يعتبر مراقبو السياسة الخارجية أن التنبؤات تُعد مغامرة محفوفة بالمخاطر. إلا أن السفير الأميركي السابق ويليام كورتني، خبير معهد راند، الذي كان له دور كبير في العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، ينظر إلى غزو أوكرانيا من زوايا متعددة، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. ويسعى كورتني لرسم صورة أوضح لاحتمالات انتهاء الحرب، وذلك على الرغم من أن جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تؤدّ بعد إلى نتائج ملموسة. واتفق معه جون هاردي، نائب مدير برنامج روسيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، الذي أشار إلى أن “المواقف المتشددة” لبوتين تعوق السلام المنشود.
وفي حديثه مع “الشرق الأوسط”، لاحظ كورتني أن الاقتصاد الروسي بدأ يعاني جراء العقوبات الأميركية والأوروبية، مما أدى إلى انتقال متطلبات اقتصاد الحرب إلى التكنولوجيا بدلاً من الاعتماد على القطاع المدني. كما أشار إلى أن الخسائر البشرية في القوات الروسية مرتفعة بشكل مثير للقلق، تفوق كثيراً الخسائر السوفياتية خلال الحرب في أفغانستان.
تغيرات في السياسة الأميركية
أما في السياق السياسي، فقد ألمح كورتني إلى أن السياسة الأميركية قد انتقلت من دعم قوي لأوكرانيا إلى موقف أكثر حيادية، موضحاً أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على التفاوض مع روسيا نيابة عن أوكرانيا أو أوروبا. وزعم أن العديد من الزعماء الأوروبيين يرون الحرب في أوكرانيا مرتبطة بشكل وثيق بالأمن الأوروبي، مع تزايد القلق من أن انتصار روسيا قد يعرض دولاً أوروبية أخرى للخطر.
وفي هذا السياق، أكد هاردي عدم وجود جهد متواصل وشامل من الولايات المتحدة للضغط على روسيا لتقديم تنازلات حقيقية. ورغم وجود بعض التحركات الدبلوماسية، لا تزال الفجوة واسعة بين الجانبين، ولم تحقق التسويات اللازمة للسلام.
مطالب روسيا
ويوضح هاردي أن تحقيق أهداف روسيا في إنهاء الحرب يتطلب من أوكرانيا التنازل عن أجزاء من منطقة دونباس، وهو ما يصفه بالوهم، مشيراً إلى أن بوتين لطالما سعى لإعادة فرض هيمنته على أوكرانيا. ويشير هاردي وكورتني إلى أن روسيا تعتبر الولايات المتحدة نظيرتها الجيوسياسية الأساسية، مما يجعلها مستعدة للتفاوض مباشرة مع ترامب، بينما تواصل تأكيد مطالبها القصوى.
وعسكرياً، لاحظ كورتني أن الوضع الميداني يشهد حالة من الجمود، وأن القوات الروسية لم تحرز تقدماً يذكر في شرق أوكرانيا رغم خسائرها. كما أشار إلى أن تطور أسلحة المسيرات ساهم في تقليل الخسائر البشرية على الجانب الأوكراني.
الدعم الصيني
وعن الدعم الصيني لروسيا، قال كورتني إن بكين قدمت الدعم من خلال التكنولوجيا والسلع ذات الاستخدام المزدوج، رغم أنها حافظت على موقف حذر في السنوات الأخيرة. كما أشار هاردي إلى أن الصين تعد الشريك الأهم لروسيا، حيث ساعدت في شراء النفط وتوسيع التجارة. ولكن على الرغم من العلاقات الوثيقة، لا يزال هناك مسافة استراتيجية بين بكين وموسكو نتيجة لتوجه الصين لتجنب تعريض علاقاتها الاقتصادية مع الغرب للخطر.
وأكد هاردي أن الحرب في أوكرانيا ليست منفصلة عن التحدي الصيني للولايات المتحدة. فإذا تمكنت روسيا من السيطرة على أوكرانيا، قد يتعزز التهديد في جبهات أخرى، بما في ذلك أي تحرك صيني محتمل ضد تايوان.
توقعات مستقبلية
في ظل الظروف الحالية، تبدو روسيا في موقف ضعيف، حيث انخفضت أهميتها الاقتصادية بالنسبة لأوروبا، وزادت صعوبة تحقيق أي انتصارات عسكرية. واعتمد كورتني مقارنة الحرب الروسية في أوكرانيا بالحرب السوفياتية في أفغانستان، حيث لم يتمكن المجاهدون من هزيمة السوفيات، لكنهم منعوا موسكو من تحقيق نصر سريع.
ويرى هاردي أنه إذا نجحت أوكرانيا في تقليص مكاسب روسيا مع الحفاظ على سيادتها، فإن ذلك قد يؤدي إلى فشل استراتيجي كبير لروسيا. ومع ذلك، يجب أن يتم التعامل بحذر لأن أي سلام قد لا يعني نهاية التهديدات الاستراتيجية.
النهاية غير مؤكدة
وعند النظر إلى احتمال نهاية الحرب، تجنب كورتني التنبؤ، مشيراً إلى أن السياق السياسي الداخلي في روسيا ووحدة الغرب والتطورات العسكرية كلها عوامل غير محسومة. وفي الوقت الذي يعتقد فيه هاردي بأننا ربما نشهد بداية نهاية الحرب، فإن العقبات الرئيسية لا تزال قائمة، بما في ذلك مطالب بوتين المتشددة، مما يجعل أي اتفاق سلام وشيك بعيد المنال.


