أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بخصوص فرض رسوم جمركية جديدة على دول أوروبية لانتزاع موافقتها على بيع غرينلاند للولايات المتحدة، حالة من القلق والاستنكار في العديد من الدول الأوروبية. هذه التصريحات جاءت في وقت حساس، مما دفع ممثلي الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) للاجتماع في جلسة خاصة يوم الأحد لمناقشة تداعيات الأمور الأخيرة.
وفي سياق رد الفعل على تلك التصريحات، أعلنت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، أنها استدعت سفراء الدول لعقد اجتماع استثنائي بعد ظهر الأحد. هذا الاجتماع يهدف إلى بحث كيفية الرد على التهديدات الأمريكية المتزايدة.
استنادًا إلى استطلاع حديث نُشر في يناير 2025، أظهرت النتائج أن 85% من سكان غرينلاند يرفضون فكرة الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما تؤيدها 6% فقط. الأمر الذي يعكس عدم الرغبة الشعبية في التنازل عن هوية الجزيرة.
نشر القوات العسكرية
من جهة أخرى، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة عن نشر قوات عسكرية ضمن مهمة استطلاع، وذلك في إطار مناورات تديرها الدنمارك في غرينلاند. تعتبر هذه المناورات جزءًا من الجهود المشتركة لحماية المصالح الأوروبية في المنطقة.
وصف وزير الخارجية الهولندي، ديفيد فان فيل، تهديدات ترامب بـ”الابتزاز”، مؤكدًا في حديثه للتلفزيون الهولندي أنه لا يوجد ضرورة لمثل هذا الضغط. وشدد على أن غرينلاند تمثل جزءًا من الكيان الأوروبي، وأن ربط القضايا الدبلوماسية بالتجارة أمر غير مقبول.
وأكد أن المهمة في غرينلاند تهدف إلى إظهار استعداد أوروبا للدفاع عن الجزيرة، محذرًا من أن المطالب الأمريكية قد تعزز من موقف ترامب في الضغط على السياسة الأوروبية.
دعوة لتفعيل آلية مواجهة الإكراه
ومن جانبه، أعرب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن استعداده لطلب تفعيل “آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه” في حالة تنفيذ ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية. تلك الآلية تتيح تجميد الوصول إلى الأسواق الأوروبية ومنع استثمارات معينة ضد الدول التي تتعرض للضغط.
وعبّر العديد من القادة الأوروبيين عن قلقهم من تهديدات ترامب، حيث أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أن فرض عقوبات جديدة سيكون “خطأً”. وأشارت إلى محادثاتها مع ترامب حول هذا الموضوع، مؤكدة الحاجة إلى التوصل لحل دبلوماسي.
تحذيرات من العواقب المحتملة
في المقابل، حذر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، من أن أي عمل عسكري أمريكي تجاه غرينلاند قد يقوي حجة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى تقويض حلف شمال الأطلسي. وأظهر استياءه من استخدام القوة كوسيلة للضغط، مشددًا على أن ذلك سيضعف من تماسك الحلف ويحث روسيا على التصعيد في مناطق أخرى.
وكان ترامب قد أعلن عبر منصته الخاصة عن تفاصيل الرسوم الجمركية، مشيرًا إلى أن نسبة 10% ستدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير على الواردات من عدة دول أوروبية، مما أثار ردود فعل قوية من المسؤولين الأوروبيين.
ردود أفعال قوية على التهديدات
وفي هذا السياق، دعا “اتحاد الشركات الألمانية المصنعة للآلات والأنظمة” إلى ضرورة اتخاذ رد أوروبي موحد على التهديدات الأمريكية. وأكد رئيس الاتحاد، بيرترام كافلات، أنه يجب على أوروبا أن تتجنب الخضوع للابتزاز، لافتًا إلى أن غرينلاند جزء أساسي من الهوية الأوروبية.
من جهته، أعلن المسؤولون الدنماركيون والغرينلنديون أن الجزيرة ليست للبيع، مؤكدين عدم رغبتهم في الخضوع للضغوطات. وفي اجتماع طارئ للسفراء الأوروبيين، تم تناول الخطوات المقبلة لمواجهة التهديدات الأخيرة بشكل جاد.
وفي سياق موازٍ، نظمت مظاهرات عدة في مدن دنماركية وغرينلاندية ضد الأطماع الأمريكية، حيث تجمّع الآلاف في كوبنهاغن للاعتراض على سياسات ترامب. هذه التحركات تعكس وحدة الموقف الأوروبي في مواجهة التهديدات المتزايدة.
وفي إشارة للعديد من العواصم الأوروبية، أُكد في عدة تصريحات أنه يجب تناول المشكلات الأمنية في غرينلاند عبر الحوار بين حلفاء الناتو، مؤكدين على أهمية التعاون والاحترام المتبادل في التعامل مع القضايا الجيوسياسية المعقدة.


