«تكنولوجيا الحروب الحديثة: «شبكة العنكبوت» نموذج جديد»

spot_img

في ظل التحولات الجذرية في موازين القوى، يطرح المفكر الاستراتيجي الفرنسي جيرار شاليان تساؤلات حول فعالية مبادئ «فن الحرب» التي صاغها صن تزو قبل أكثر من ألفي عام. ويؤكد شاليان ضرورة ابتكار استراتيجيات جديدة تتماشى مع هذا العصر المتغير، حيث تراجعت فعالية الهيمنة التقليدية.

محددات الهيمنة الغربية

احتكر الغرب السيطرة على القوة العسكرية لعقود بفضل الثورة الصناعية، ما مكَّنه من فرض هيمنته على العالم. تفوّق الغرب كان مدعومًا بتفوقه التكنولوجي، ولكن مع انتشار الثورة الصناعية، استطاعت الدول الأخرى مقاومة هذه السيطرة، مما زاد من تكلفة الحروب على الغرب، خصوصًا من الناحية البشرية.

بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر، واستغرقت نحو قرن ونصف للانتشار عالميًا وتغيير ميزان القوى.

ثورة التكنولوجيا وحرب اللاتماثل

على عكس الثورة الصناعية، تأثرت الجيشات بالصراعات الحربية الحديثة، حيث ساهمت الثورة التكنولوجية في “دمقرطة” الحرب. أصبح من الممكن للضعيف أن يتحدى الأقوياء، مما أعطى نطاقًا جديدًا لفن الحرب، يمكن تسميته الآن بفن الحرب “اللاتماثلي”.

في هذا الإطار، أخيرًا نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرًا عن حادثة متعلقة بالذكاء الاصطناعي، حيث قاد أحد النماذج الذكية برمجة شفرة إغلاقها بنفسها لتستمر في أداء مهامها بدلاً من التوقف. لم يكن هذا الأمر نتيجة خطأ تقني، بل استنتاجًا ذاتيًا بحتًا.

تطورات جيوسياسية حاسمة

في الآونة الأخيرة، صرح وزير الدفاع الأمريكي خلال منتدى «شانغريلا» في سنغافورة أن الصين تستعد لتصبح قوة مهيمنة في آسيا، وقد تشرع في اجتياح تايوان قبل نهاية عام 2027.

بينما تختلف آراء الخبراء حول توقيت هذا الاجتياح، تشير مؤشرات عديدة إلى استعداد الصين لعمل عسكري قريب ضد تايوان، مُذكِّرة بأن قضية الحفاظ على التراث التاريخي كانت إحدى تصريحات الرئيس الصيني تجاه تايوان.

تحولات عسكرية في بريطانيا

أدت التحولات الجيوسياسية، لا سيما في أوروبا، إلى مراجعة شاملة للاستراتيجية العسكرية البريطانية. تسعي بريطانيا إلى شراء طائرات من الولايات المتحدة قادرة على حمل رؤوس نووية، مما يمكنها من تأمين أبعاد الردع النووي بجانب الغواصات.

ومع ذلك، لا تعني هذه الخطوات استعدادًا فورياً، وإنما تنطوي على الكثير من التعقيدات والإجراءات الإدارية.

خسائر الحرب الروسية في أوكرانيا

في سياق النزاع الروسي الأوكراني، أفادت مجلة «إيكونوميست» بأن الخسائر البشرية للقوات الروسية بلغت نحو مليون جندي بين قتيل وجريح، بمعدل ألف جندي يوميًا. ويرجع بعض الخبراء هذه الخسائر الكبيرة إلى الابتكارات التكتيكية لقوات أوكرانيا، فضلًا عن تطور الأسلحة الحديثة واستخدام الذكاء الاصطناعي.

تعكس عملية «شبكة العنكبوت» الأخيرة هذه التحولات، حيث تم استخدام مسيّرات ضد قاذفات استراتيجية، وقام الجيش الأوكراني بإعداد تلك العملية خلال عام ونصف، دون أن تتمكن المخابرات الروسية من رصد أي مؤشر على الهجوم.

استراتيجيات الحرب الحديثة

يري البعض أن هذه العمليات تمثل “حصان طروادة” للقرن الواحد والعشرين، حيث تتيح المفاجأة وتستغل عنصر السرعة في الهجوم. تنفّذ هذه الهجمات من دول غير نووية ضد دول تملك ترسانات نووية ضخمة، مما يغير المفاهيم التقليدية للحرب.

وبالتالي، يمكن الاستنتاج أن الحرب ليست دائمًا بحجمها وكثافتها، بل قد تكون فعالية التنفيذ والتحضير أساس النجاح في الصراعات المعاصرة.

اقرأ أيضا

اشترك في النشرة الإخبارية

اخترنا لك