تواجه الأسلحة الموجّهة بدقة تحديات متزايدة في النزاعات الحديثة ذات الكثافة العالية، ولا سيما من حيث التكلفة والاستدامة. ففي حين تقوم العقيدة العسكرية الحديثة على مبدأ “الضربة الجراحية” وتقليل الأضرار الجانبية، تبرز في التطبيق العملي اعتبارات اقتصادية ولوجستية معقدة، خاصة عندما تتجاوز كلفة الذخائر المستخدمة قيمة الأهداف التي يتم استهدافها.
في هذا السياق، تشير دراسات وتحليلات عسكرية إلى مفارقة متنامية: تحقيق تفوق تكتيكي أو نجاح عملياتي محدود، مقابل استنزاف سريع للمخزونات وارتفاع كبير في كلفة العمليات، أحيانًا قبل اكتمال نشر الأنظمة الدفاعية أو الهجومية الأساسية.
الأسلحة الدقيقة والفعالية الاقتصادية في عام 2026
تُطرح تساؤلات متزايدة حول مدى الجدوى الاقتصادية للأسلحة الدقيقة، خصوصًا في مواجهة تهديدات غير متكافئة مثل الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة. ويعتمد العديد من المحللين على مفهوم “نسبة التكلفة إلى التدمير” كمؤشر لتقييم الاستدامة طويلة الأمد لأي حملة عسكرية.
على سبيل المثال، استخدام صاروخ جو-جو متطور لاعتراض طائرة مسيّرة تجارية معدّلة قد يحقق نجاحًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يطرح في الوقت نفسه إشكاليات تتعلق بالكلفة مقارنة بالعائد العملياتي.
مقارنة تقريبية بين الأنظمة:
| العنصر | سلاح دقيق (مثل AIM-9X) | طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة (FPV / Shahed) |
|---|---|---|
| سعر الوحدة | 300,000 – 800,000 دولار | 500 – 20,000 دولار |
| زمن الإنتاج | أشهر إلى سنوات | ساعات إلى أيام |
| سلسلة الإمداد | دولية، عالية المتطلبات | محلية، تعتمد على مكونات تجارية |
| القابلية للتوسع | محدودة | مرتفعة جدًا |
تُظهر هذه المقارنة أن الفجوة في الكلفة وسرعة الإنتاج قد تتيح للخصم استخدام أعداد كبيرة من الأهداف منخفضة القيمة لإرهاق أنظمة الدفاع المتقدمة، ما يؤدي إلى استنزاف الذخائر باهظة الثمن خلال فترة قصيرة.
منطق “الإنهاك” وأولوية الكمية
تشير تحليلات عسكرية إلى أن حروب الإنهاك الحديثة تميل إلى ترجيح الكفة لصالح الطرف القادر على تعويض خسائره بسرعة أكبر. ففي عام 2026، ما تزال كثير من الذخائر الدقيقة تُنتج ضمن سلاسل صناعية معقدة وبوتيرة محدودة، في حين تعتمد بعض الدول على نماذج إنتاج واسعة النطاق، تركز على تحقيق فعالية مقبولة بكلفة منخفضة.
هذا التباين لا يُنظر إليه باعتباره تراجعًا تقنيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى تحقيق توازن بين الكلفة والقدرة على الاستمرار في العمليات لفترات طويلة.
الفجوة الصناعية بين الإنتاج والنفاد
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح عند مقارنة أنظمة دفاع جوي متقدمة مع هجمات واسعة النطاق باستخدام طائرات مسيّرة رخيصة:
زمن التصنيع: قد يستغرق إنتاج صاروخ دفاع جوي متقدم ما بين 18 و24 شهرًا، بينما يمكن إنتاج مئات الطائرات المسيّرة أسبوعيًا باستخدام مكونات متاحة تجاريًا.
البصمة اللوجستية: تتطلب الأنظمة الدفاعية الثقيلة نقلًا وبنية دعم معقدة، في حين تتميز الطائرات المسيّرة بخفة الحركة وسهولة النقل.
الاستنزاف: لا يتطلب تعطيل النظام الدفاعي تدميره ماديًا، بل يكفي دفعه لاستهلاك مخزونه من الذخائر.
“نسبة التكلفة إلى التدمير” كمعيار استدامة
يُنظر إلى نسبة الكلفة بين الوسيلة الدفاعية والهدف المستهدف باعتبارها مؤشرًا أساسيًا للاستدامة. فعندما تكون كلفة اعتراض هدف منخفضة القيمة أعلى بعشرات أو مئات المرات من كلفة هذا الهدف، يصبح العبء الاقتصادي عاملًا مؤثرًا في القرار العسكري.
الحرب الإلكترونية وتأثيرها على الدقة
تلعب الحرب الإلكترونية دورًا متزايد الأهمية في تقليص فعالية الأسلحة الذكية. تعتمد كثير من الذخائر الموجهة على أنظمة ملاحة عبر الأقمار الصناعية، وهي عرضة للتشويش أو الخداع الإلكتروني. في مثل هذه الحالات، قد تتدهور الدقة بشكل كبير، ما يؤدي إلى:
ارتفاع دائرة الخطأ المحتمل.
فقدان فعالية الضربة.
زيادة المخاطر على منصات الإطلاق والطاقم.
مخزونات الناتو والاستدامة العملياتية
تتناول تقارير متعددة وضع مخزونات الذخيرة لدى دول حلف شمال الأطلسي، وتشير إلى تحديات تتعلق بكفاية الإمدادات في حال اندلاع نزاع واسع النطاق وطويل الأمد. ويُلاحظ أن البنية الصناعية الدفاعية في عدد من الدول الغربية صُممت تاريخيًا لدعم عمليات محدودة، لا لحروب استنزاف طويلة.
نحو مفهوم “الكتلة الدقيقة”
في ضوء هذه التحديات، تتجه بعض العقائد العسكرية نحو ما يُعرف بـ“الكتلة الدقيقة”، أي الجمع بين عدد كبير من الوسائط منخفضة التكلفة مع مستوى مقبول من الدقة، بدل الاعتماد الحصري على ذخائر عالية الكلفة شديدة التعقيد.
يعتمد هذا التوجه على:
أسراب من الأنظمة غير المأهولة.
إنتاج واسع النطاق.
تقليل الاعتماد على “الحل التقني المثالي” لصالح حلول قابلة للتوسع.
وأخيرا.. تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن الحروب الحديثة تُحسم بدرجة كبيرة بالقدرة الصناعية واللوجستية، وليس فقط بالتفوق التكنولوجي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التوازن بين الجودة والكمية، وبين الدقة والكلفة، لضمان الاستدامة العملياتية على المدى الطويل.
يبقى النقاش مفتوحًا حول كيفية مواءمة العقائد العسكرية الحالية مع هذه المتغيرات، في ظل بيئة أمنية تتسم بتسارع التطور التقني واتساع نطاق التهديدات غير المتكافئة.


