من الجزائر إلى تونس، ومن المغرب إلى ليبيا وموريتانيا، يتابع الشارع المغاربي ما يحدث في المشرق العربي بقدر من القلق، وربما بشيء من الشعور البعيد بأن ما يجري هناك لا يمسّه مباشرة، لكن هل حقًا نحن خارج المعادلة؟
التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من ضربات متبادلة وردود طالت قواعد عسكرية أمريكية في دول خليجية، ليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة، إنه مؤشر على أن المنطقة العربية بأكملها تعيش فوق خط زلازل سياسي وأمني، قد تمتد ارتداداته إلى أبعد مما نتوقع.
في المغرب العربي، اعتدنا النظر إلى أزمات المشرق باعتبارها بعيدة جغرافيًا، ومختلفة سياسيًا. لدينا أولوياتنا الداخلية: التنمية، البطالة، الهجرة، استقرار الحدود، وتحديات الساحل الإفريقي.. الجغرافيا قد تفصلنا عن الخليج، غير أن المصير السياسي والأمني يظل متصلًا بخيط واحد.
أي اضطراب واسع في المشرق يعني اهتزازًا في أسواق الطاقة، وتقلبًا في الموازنات، وضغوطًا اقتصادية إضافية على دول تعتمد بشكل أو بآخر على الاستقرار الإقليمي، كما أن تفكك النظام العربي أو انزلاقه إلى مواجهات مفتوحة يضعف الجميع، من الخليج إلى المحيط.
الجزائري، بطبيعته السياسية والتاريخية، ينظر بعين حساسة لمسألة السيادة، تجربة الاستعمار تركت أثرًا عميقًا في الوعي الوطني، وجعلت فكرة القرار المستقل جزءًا من الهوية، ولذلك فإن مشهد أراضٍ عربية تتحول إلى ساحة رسائل عسكرية بين قوى كبرى يثير سؤالًا جوهريًا: هل يملك العرب فعلًا قرارهم الأمني؟
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح في الرباط والجزائر وتونس وطرابلس ونواكشوط هو: ما دورنا نحن؟ هل نكتفي ببيانات دبلوماسية متوازنة، أم نبحث عن موقع فاعل في معادلة إقليمية تتشكل من جديد؟
المغرب العربي، رغم ما يملكه من عمق جغرافي واستراتيجي، ما زال يعاني من انقساماته الخاصة: اتحاد مغاربي معطل، توترات سياسية، وحدود مغلقة. فكيف يمكن لمنطقة لم تستطع توحيد فضائها القريب أن تؤثر في فضاء عربي أوسع يمر بعواصف متلاحقة؟
ربما تكمن المشكلة في أننا نتعامل مع مفهوم “المشرق” و”المغرب” وكأنهما عالمان منفصلان، بينما الواقع يقول إن أي خلل كبير في أحدهما ينعكس على الآخر، الأمن القومي العربي ليس جزرًا متباعدة، بل شبكة مترابطة، وإذا ضعفت حلقة، تأثرت السلسلة بأكملها.
الحياد قد يكون خيارًا دبلوماسيًا مفهومًا، لكن الغياب الاستراتيجي ليس كذلك، دول المغرب العربي قادرة، إذا ما نسّقت مواقفها، على أن تكون صوت توازن، وصوت عقلانية، يدفع نحو تجنيب المنطقة مزيدًا من الانزلاق، لكنها لن تستطيع لعب هذا الدور ما لم تحسم أولًا خلافاتها البينية، وتعيد إحياء مشروع تكاملها الإقليمي.
ما يحدث في الخليج اليوم ليس شأنًا خليجيًا صرفًا، بل اختبار لقدرة النظام العربي على حماية نفسه من التحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية.
والسؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق: هل نريد أن نبقى على هامش الأحداث، أم أن نصبح جزءًا من صياغة مستقبل المنطقة؟
المغرب العربي ليس بعيدًا كما نظن.. قد تفصلنا آلاف الكيلومترات عن بؤر التوتر، لكننا جميعًا نعيش تحت سقف عربي واحد، وإذا تصدّع السقف في جهة، فلن يظل باقي البيت آمنًا طويلًا.


