تسود أوساط القادة في دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بالإضافة إلى بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية، أحاديث تفيد بأن روسيا تخطط لغزو دول أوروبا بحلول عام 2029. يأتي ذلك من خبراء لطالما تحدثوا عن قرب انهيار نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهزيمة القوات الروسية أمام نظيرتها الأوكرانية.
تحليل الاستراتيجيات الروسية
في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست»، يشير براندون جبه. وايشيرت، كبير محرري الشؤون الأمنية، إلى التناقض الواضح في هذه التصريحات. كيف يمكن أن يكون الروس على وشك الانهيار وفي نفس الوقت يمتلكون القدرة على شن غزو شامل لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟
من جانبهم، يؤكد القادة الروس عدم وجود نية لديهم لمهاجمة أوروبا، مُشددين على أنهم سيتخذون قراراً بمثل هذا العمل إذا تعرضوا لهجوم أولاً. وفي هذا السياق، تعتبر تصريحات قادة الناتو بشأن خطط حرب مُحتملة، بما في ذلك استخدام قوات الناتو لمنع روسيا من الوصول إلى جيب كالينينغراد، تصرفات غير مسؤولة.
الاستعدادات الروسية في أوكرانيا
يشير وايكيرت، مؤلف كتاب «كارثة من صنعنا: كيف يخسر الغرب أوكرانيا»، إلى أنه، رغم التصريحات العسكرية غير الاحترافية من قادة أوروبا، لا يوجد دليل على نية روسيا مهاجمة حلف الناتو. تتركز غالبية القوات الروسية في المناطق الشرقية المتنازع عليها في أوكرانيا، حيث يتحدث السكان اللغة الروسية، مع استمرارية السيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم.
وعلى الرغم من هذا، أفادت مصادر بريطانية بأنها تخشى من تقدم القوات الروسية نحو كييف للاستحواذ على أوكرانيا بالكامل في حال انهيار القوات الأوكرانية. وإن سقطت أوكرانيا بيد روسيا، ستصبح أراضي الناتو عرضة للتهديد. لكن ما الذي يمكن أن يدفع روسيا إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات الخطيرة؟
فرص الروس في كييف
في عام 2022، كانت الفرصة متاحة للروس للاستيلاء على العاصمة الأوكرانية كييف. بل هناك أدلة تفيد بأن روسيا تراجعت عن ذلك في بداية الحرب ظناً منها بإمكانية إيجاد حل سلمي عبر المفاوضات في إسطنبول. ورغم تشكك حلف الناتو في هذا الإدراك، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت أنه تمت إقناع بوتين بالتراجع بوعود إجرائه مفاوضات السلام.
عندما أبدى الروس حسن نية بسحب بعض قواتهم، فشاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعدم التفاوض، مما أدى إلى استئناف القتال سريعًا. لولا هذه الخطوات الدبلوماسية، لكان من المحتمل أن تسيطر قوات بوتين على كييف، دون التقليل من شجاعة الدفاع الأوكراني.
استمرارية الصراع وتأثيراته
منذ ذلك الحين، عزز بوتين قواته في شرق وجنوب أوكرانيا، إلا أنه لا توجد دلائل قوية على نية الاستيلاء على غرب أوكرانيا. بينما تظل موسكو منفتحة على مفاوضات السلام على الرغم من تردد دول الناتو، مما يدل على أن أهداف روسيا تبدو أكثر تواضعًا.
بالرغم من القدرة النارية الكبيرة التي تمتلكها روسيا، تشير آراء مختلفة إلى أنها اختارت استراتيجية حرب استنزاف، حيث يتركز هدفها الأساسي على الحفاظ على شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا دون الرغبة في المزيد. وفي هذا الإطار، تسيطر روسيا بالفعل على مناطق غنية بالمعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا.
مخاوف من التصعيد
إذا استمرت الحرب، قد تسيطر القوات الروسية على مدينة أوديسا، التي لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية. وفي حال نجاحها، قد يساعد ذلك على بقاء غرب أوكرانيا كدولة تابعة للناتو. ومع محدودية العمليات الروسية، يجري التساؤل عن سبب ادعاء الأوروبيين والبريطانيين بأن روسيا ستهاجم أراضي الناتو بين عامي 2027 و2029.
يصر وايكيرت على أن هذه التصريحات ليست قائمة على معلومات استخباراتية موثوقة، بل هي نتيجة افتراضات حول متى ستكون إعادة تسليح أوروبا كافية لمواجهة روسيا. إنهاء حالة إهانة الناتو في أوكرانيا، وإظهار عدم اهتمام الأميركيين بالاستمرار كقوة فعالة في الحلف، أديا إلى ارتباك أوروبي.
نداء للتحرك الداخلي
في ختام تحليله، يؤكد وايكيرت أنه لا يوجد ما يشير إلى أن روسيا تنوي بدء صراع مع أوروبا، بل تشير الأمور إلى محاولة يائسة من أوروبا للحفاظ على مكانتها على الساحة الدولية وتعزيز الدعم الأميركي. لذا، من الضروري أن يسعى الأوروبيون للتخفيف من قلقهم تجاه الروس، والتركيز على معالجة مشكلاتهم الداخلية وتعزيز دفاعاتهم المشتركة.


