«الصفقة السياسية الجديدة تعيد تشكيل النفوذ الشيعي بالعراق»

spot_img

يستمر المسؤولون العراقيون في الحديث عن معالجة وضع الفصائل المسلحة في البلاد، إلا أنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى آلية حاسمة حتى الآن. ويتوقع مراقبون أن يتحقق ذلك من خلال إبرام “صفقة سياسية” تشمل تأثيرات الإيران والولايات المتحدة ودول الخليج العربي.

مؤشرات متباينة

تنقل أوساط بغداد مؤشرات متناقضة تتعلق بوضع الفصائل في ظل تهديدات أميركية – إسرائيلية، دون أن تترافق هذه التهديدات مع دلائل قوية. ومع ذلك، تشهد النقاشات بين الفاعلين الشيعة تقدماً ملحوظاً بهدف إجراء تغييرات داخل النظام السياسي، في إطار ما تصفه مصادر بـ”صفقة حمائم” تهدف لإعادة توزيع مراكز النفوذ، بما يساهم في إزالة “محرك الأزمة”.

تقترح الصفقة التي يجري الحديث عنها انسحاب القوى الراديكالية الشيعية، المعروفة بالصقور، إلى “خلف الصورة”، بعد أن كانت قد انخرطت في استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية منذ أحداث 7 أكتوبر.

الحمائم وتراجع الوزن البرلماني

تعد تسمية “الحمائم” خياراً قديماً في الحياة السياسية العراقية، حيث تشير إلى التيارات الشيعية التي تدعي الاعتدال. وقد شهد دور هذه التيارات تراجعاً ملحوظاً مع انخفاض وزنها البرلماني، وظهور مجموعات مسلحة تدير الحكومة والفضاء العام في البلاد.

من الناحية المبدئية، تشبه الصفقة الحالية بين “الثنائي الشيعي” في العراق الصيغة المعتمدة في لبنان، إلا أن مصادر مطلعة تشير إلى وجود اختلافات تتعلق بوضع “الإطار التنسيقي” وضرورة انسحاب الطرف الذي لا يزال يمتلك موارد وأدوات لكنه مجبر حالياً على التخلي عن دوره.

المخرج الآمن

يعتقد بعض السياسيين الشيعة أن الصفقة التي يجري البحث فيها تمثل المخرج الآمن لحالة انعدام الرؤية التي تعاني منها البلاد، وللتكيف مع الأوضاع الإقليمية المتغيرة. وكان وزير الخارجية فؤاد حسين قد أكد لـ”الشرق الأوسط” أن بغداد تنظر في مجموعة من الخيارات لحل الفصائل، قد تشمل ضبط سلاحها أو دمجها ضمن “الحشد الشعبي”، لكن التوصل إلى توافق نهائي “يتطلب مزيداً من الوقت”.

تشير المصادر إلى أن النقاشات السياسية ستتطلب الوقت الذي قدّره الوزير حسين حتى تكتمل ملامح الصفقة، حيث إن وضع الفصائل سيكون بموجب تلك الصفقة بمثابة تحصيل حاصل، ولن يكون الجزء الأصعب من المفاوضات السياسية.

الظروف السياسية الراهنة

ينقسم المشهد السياسي العراقي بين فريق شيعي “انكفأ” بسبب ارتباطه بإيران التي خسرت موقعين استراتيجيين في “محور المقاومة”، وآخر مفعم بالحماس لتولي دور جديد يأمل فيه صياغة توازن مقبول من جميع الأطراف، بما في ذلك إيران. تشير المناقشات بين صناع القرار إلى أن التوازن الشيعي الجديد قد يساعد في تخفيف التأثيرات المركبة المترتبة على الوضع الإقليمي والسياسة الأميركية تجاه إيران.

على الرغم من إعلان الفصائل تعليق عملياتها ضد إسرائيل، فقد تعهدت بالعودة إلى مهاجمة المصالح الأميركية في العراق، مع نفي القادة تلقيهم أي دعوة حكومية لحل أسلحتهم. يبدو أن الصقور لا ينوون تسهيل الصفقة على الطرف الآخر، لأن تأثيرها قد يحدد شكل المنافسة في الانتخابات المقبلة، ومع ذلك، فإن الظروف الإقليمية تقيد قدرتهم على عرقلة “المسار الواعد”.

العوامل المؤثرة في المناقشات

تتأثر النقاشات السياسية حول الصفقة بثلاثة عوامل رئيسية: الترقب لإطلالة ترمب الثاني على الملف العراقي، والشهية التركية لتوسيع نفوذها في المنطقة بعد التغييرات في سوريا، بالإضافة إلى تراجع السقف الإيراني الذي يبحث عن حلول جديدة يبتكرها لاعبين مقبولين.

يأمل الحمائم الشيعة أن الإيرانيين المشغولين بمفاوضاتهم مع الولايات المتحدة لن يستطيعوا منع أي تغيير في العراق يمكن أن يخسر فيه الصقور، خاصة في هذه المرحلة. كما يرون في الفرصة التي يسعى المعتدلون الشيعة لاقتناصها فرصة تفيد إيران أيضاً.

دور جديد للشيعة

تتطلب إعادة تحديد الدور الشيعي نقاشات معمقة بين صناع القرار، وهو ما يصفه البعض في العراق بأنه “امتحان صعب” بعد سنوات من السيطرة التي فرضتها الفصائل المسلحة على مفاتيح السياسة. يسعى الحمائم لطرح رؤية جديدة للشيعة في العراق، تجعلهم لاعباً فاعلاً ضمن إطار الدولة ووسيطاً مع القوى الكبرى.

الصيغة المطروحة ليست جديدة، ولكنها لم تنضج بما يكفي لتحقيق الاستقرار في السابق. الآن، يسعى الحمائم إلى “صفقة تمتد لأربع سنوات مقبلة تبدأ من الانتخابات المقبلة”، رغم عدم وجود ضمانات لاستمرارية هذه الصفقة في مواجهة التحولات الممكنة، خصوصاً أن إيران قد تلجأ إلى تصعيد في العراق كأداة لتحسين موقفها في المفاوضات.

استجابة إقليمية

يقول المعنيون بالنقاشات إنه تم اختبار ردود أفعال أولية من أطراف إقليمية، ويشجعهم تقاطع المصالح مع تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة للتكيف مع تيار شيعي يقدم نفسه كمساهم في جهود استقرار المنطقة. ومع ذلك، فإن بعض الأطراف قد تحاول معارضة الصفقة بسبب خصومات محلية مع من يصنفون ضمن فئة الحمائم.

اقرأ أيضا

اشترك في النشرة الإخبارية

اخترنا لك