في خضم الحرب المعلوماتية المعاصرة، برز ما يمكن وصفه بـالتحريف البصري أو “السينمائي” للصراع كأحد التحديات المؤثرة في فهم الرأي العام لطبيعة الحروب الحديثة. ويتمثل هذا التحريف في التباين بين المقاطع المصوّرة المتداولة على المنصات الرقمية وبين الواقع العملياتي والاستراتيجي الفعلي على الأرض.
فعلى الرغم من أن الجمهور يتابع لقطات عالية الدقة لعمليات قتالية محددة، فإن هذه المواد غالبًا ما تكون نتاج اختيار إعلامي مدروس يركّز على مشاهد قصيرة ذات أثر بصري قوي، دون أن تعكس السياق الأشمل الذي يشمل الاستنزاف، واللوجستيات، والحرب الإلكترونية، والقدرة الصناعية، وهي عوامل أساسية في تحديد مسار النزاعات ونتائجها.
فخ الفيديو الفيروسي
تشير تحليلات إعلامية إلى وجود انحياز يُعرف بـ“تأثير البقاء الناجح”، حيث يتم تداول مشاهد العمليات التي حققت نتائج مباشرة، مقابل غياب التغطية لحالات الفشل أو التعطيل أو الإسقاط. وتُعرض، على سبيل المثال، مقاطع لنجاحات طائرات مسيّرة أو ضربات دقيقة، بينما لا تحظى الحالات التي أُحبِطت بفعل التشويش أو الأعطال التقنية أو الدفاعات المضادة بالاهتمام نفسه.
في هذا الإطار، لا تُعد المقاطع المصوّرة بحد ذاتها تقييمًا استخباريًا أو قياسًا شاملًا للأداء العسكري، بل تُستخدم غالبًا كأدوات اتصال تهدف إلى التأثير في المعنويات العامة، أو دعم السرديات السياسية، أو الحفاظ على الدعم الخارجي.
الفجوة بين التغطية والواقع تشمل:
ما يبرز إعلاميًا: الانفجارات، الضربات المباشرة، والعمليات الفردية.
ما يحدد النتائج فعليًا: الحرب الإلكترونية، الإمداد، القدرة على الإصلاح، والمرونة الصناعية.
ويؤدي هذا التركيز الانتقائي إلى تبسيط صورة الحرب لدى الجمهور، وتصويرها كسلسلة من لحظات حاسمة سريعة، بدل كونها عملية طويلة ومعقدة تعتمد على إدارة الموارد والاستنزاف.
اللوجستيات كعامل حاسم غير مرئي
تلعب اللوجستيات دورًا مركزيًا في النزاعات الحديثة، رغم أنها نادرًا ما تحظى بتغطية إعلامية واسعة. فبينما تُسلّط الأضواء على تدمير منصة قتالية واحدة، قد يكون مسار الحرب قد تحدد فعليًا في مراكز الصيانة، أو شبكات النقل، أو سلاسل الإمداد.
تشير دراسات عسكرية إلى أن القدرة على تدوير الوحدات، وإصلاح الأعطال، وتأمين قطع الغيار، تمثل عوامل لا تقل أهمية عن امتلاك أنظمة تسليح متقدمة. وفي حال تعذّر الحفاظ على هذه القدرات، تصبح النجاحات التكتيكية المعروضة بصريًا محدودة الأثر على المدى المتوسط والطويل.
فجوة الرؤية.. العرض الإعلامي والواقع العملياتي
لفهم أسباب الخلل في السرد الإعلامي، يميّز الباحثون بين ما يجذب الانتباه العام وما يؤثر فعليًا في مسار النزاع. وتُعرف هذه المساحة بـ“فجوة الرؤية”، حيث يتم تضخيم بعض العناصر على حساب أخرى أكثر تأثيرًا.
| البعد | ما يُعرض إعلاميًا | ما يؤثر استراتيجيًا |
|---|---|---|
| التركيز | ضربات مباشرة ومشاهد دمار | الإمداد واستمرارية العمليات |
| الفاعلون | وحدات قتالية بارزة | فرق الصيانة والدعم |
| الإطار الزمني | نتائج فورية | استنزاف طويل الأمد |
| التكنولوجيا | منصات متقدمة وطائرات مسيّرة | ذخائر تقليدية وبنية نقل |
| مقياس النجاح | السيطرة المكانية | تآكل القدرة القتالية للخصم |
رأس المال البشري ودورات الاستنزاف
من الجوانب التي لا تظهر في التغطية المرئية حالة الأفراد المشاركين في القتال. إذ لا تعكس المقاطع القصيرة مستوى الإرهاق، أو الحاجة إلى إعادة التدوير، أو تأثير الضغط المستمر على الكفاءة القتالية. وتشير تقارير ميدانية إلى أن الوحدات التي لا تحصل على فترات كافية لإعادة التنظيم تصبح أقل فاعلية، بغض النظر عن مستوى تجهيزها التقني.
كما أن أعمال الصيانة والإصلاح، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في استدامة العمليات، نادرًا ما تحظى باهتمام إعلامي لغياب البعد البصري الجاذب.
الخوارزميات ودورها في تشكيل السرد
تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تشكيل تغطية الحروب، من خلال خوارزميات تُفضّل المحتوى عالي التفاعل وسريع الاستهلاك. ويؤدي ذلك إلى تعزيز نمط من “الإعلام المنقح”، حيث يتم إبراز المواد التي تتوافق مع معايير الجذب البصري والملاءمة التجارية، مقابل تهميش المحتوى التحليلي أو اللوجستي الأقل جاذبية.
وينتج عن ذلك تصور عام للحرب باعتبارها أقل تعقيدًا وأقل تكلفة مما هي عليه فعليًا، مع غياب السياق الطويل الأمد المرتبط بالاستنزاف الصناعي والاقتصادي.
التداعيات السياسية والأمنية
يمكن أن يؤدي هذا الخلل في التصور العام إلى تأثيرات غير مباشرة على عملية صنع القرار. إذ تعتمد السياسات الدفاعية والتمويلية في كثير من الأحيان على اتجاهات الرأي العام، والتي تتأثر بدورها بالسرد الإعلامي السائد. وعندما تُبنى التوقعات على صورة مختزلة للصراع، قد ينشأ تباين بين الأهداف السياسية والقدرات الواقعية.
أخيرا.. تُظهر التجربة المعاصرة أن الحروب الحديثة لا تُفهم من خلال المشاهد القصيرة أو اللقطات عالية التأثير فقط، بل من خلال تحليل شامل يشمل القدرة الصناعية، واللوجستيات، وإدارة الموارد البشرية، واستدامة سلاسل الإمداد. وبينما تظل الصورة عنصرًا مهمًا في الاتصال والإعلام، فإن الاعتماد عليها وحدها قد يؤدي إلى قراءة غير مكتملة لطبيعة الصراعات المعاصرة ومساراتها المحتملة.
ويؤكد هذا الواقع أهمية التمييز بين ما يُعرض على الشاشات وما يجري فعليًا خلفها، حيث تتشكل العوامل الحاسمة للنزاع بعيدًا عن عدسات الكاميرات.


