تشهد السودان تصاعدًا حادًا في التداعيات الإنسانية والأمنية والاقتصادية الناتجة عن الحرب المستمرة، إذ أصبحت معاناة المواطنين تتجاوز سقوط القتلى والجرحى، لتشمل تأثيرات جسيمة على الصحة النفسية. هذا الواقع المقلق يترافق مع ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، مما يهدد مستقبل المجتمع السوداني.
أزمة نفسية متنامية
تشير تقديرات منظمات دولية وخبراء محليون إلى وجود أزمة نفسية متفاقمة في البلاد، تتطلب تدخلات عاجلة لتوسيع خدمات الدعم النفسي والعلاج المتخصص. وقد كشفت منظمة الصحة العالمية عن انتشار حالات الاكتئاب والقلق بمعدل يلامس 12% بين طلاب المرحلة الثانوية، فيما تتجاوز هذه النسبة 59% بين السكان النازحين.
وتعكس النزاعات المستمرة في السودان عبئًا متزايدًا من اضطرابات الصحة النفسية، حيث يعد الأطفال الفئة الأكثر تضررًا، إذ يواجهون مخاطر الاختطاف والعنف الجنسي والتجنيد القسري، وكلها عوامل تترك آثارًا نفسية عميقة.
تحديات الرعاية النفسية
ورغم أن الاضطرابات الذهانية الكبرى لا تزال نادرة، إلا أن نقص البيانات المتعلقة بالانتحار وتعاطي المخدرات يثير القلق. تشير التقديرات إلى أن أكثر من شخص واحد من كل خمسة يعيشون في مناطق النزاع يعانون من إحدى اضطرابات الصحة النفسية. يفاقم هذه الأزمة نقص حاد في الكوادر المتخصصة، حيث لا يتجاوز عدد اختصاصيي الصحة النفسية 899 متخصصًا على مستوى البلاد، بناءً على إحصائيات عام 2020.
في ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية عن زيادة ملحوظة في معدلات الأمراض النفسية، وذكرت أن تداعيات الحرب والانتهاكات ضد المدنيين ضاعفت الحاجة إلى تدخلات عاجلة. وكشف وزير الصحة، هيثم محمد إبراهيم، عن خطة اتحادية لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي، مؤكدًا أن الوضع يزداد تعقيدًا نتيجة الظروف الحالية.
استراتيجيات للتوعية والتحسين
تسعى الوزارة إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتسهيل الوصول إلى العلاج، داعية إلى تخصيص ميزانيات كافية لتطوير هذا القطاع. في يناير الماضي، تفقد الوزير مستشفى “التيجاني الماحي” للأمراض النفسية، حيث بدأت بعض العيادات في استقبال المرضى.
تقول الاستشارية النفسية ابتسام محمود إن السودان عانى من عدة تحديات اجتماعية واقتصادية قبل اندلاع الحرب، مما أثر سلبًا على الصحة النفسية. وقد زادت الحرب من هذه الأوضاع، ما يستدعي تصميم برامج شاملة لتقديم خدمات الدعم النفسي بالتعاون مع وزارات عدة.
مبادرات الدعم النفسي
من جهة أخرى، تم افتتاح وحدة للطب النفسي في مستشفى النور التعليمي بأم درمان في أكتوبر 2023، بهدف تقديم الدعم النفسي للمتأثرين جنگي. الوحدة تركز على معالجة اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب، وتستقبل بين 60 و90 مريضًا أسبوعياً، بجانب دعم الحالات في دور الإيواء.
كما تنفذ الوحدة مبادرات تطوعية تشمل توزيع الوجبات اليومية والملابس للأطفال، ودعم تركيب الأطراف الصناعية للمصابين. ويؤكد مدير مستشفى الصحة النفسية في ولاية الجزيرة، الدكتور الأمين دياب، زيادة حالات الاضطرابات النفسية نتيجة تداعيات الحرب، موضحًا أن المستشفى يستقبل من 15 إلى 20 حالة أسبوعيًا.
التداعيات الخطيرة لمستقبل المجتمع
يرى مختصون أن الحرب أدت إلى أزمة نفسية صامتة لا تقل خطورة عن الدمار الاقتصادي والإنساني. وقد ارتفعت معدلات القلق والإدمان واضطراب ما بعد الصدمة بشكل ملحوظ. ويحذر خبراء من أن تجاهل ملف الصحة النفسية قد ينذر بتداعيات خطيرة على مستقبل السودان، مؤكدين ضرورة توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي كخطوة إنسانية ووطنية ملحة لا تحتمل التأجيل.


