مع بدء العام الخامس من الحرب الأوكرانية، يبدو أن ولاية دونالد ترامب الثانية شهدت تحولًا ملموسًا في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصراع. فقد أظهرت السنة الأولى بوضوح أن واشنطن تسعى إلى تقليل دورها المباشر في قيادة الدعم العسكري لكييف، معتمدةً بدلاً من ذلك على أوروبا لتكون الطرف الرئيسي المموّل والسياسي. ومع ذلك، فإن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر كبيرة على مستوى القيادة الأمريكية.
هيمنة أوروبية جديدة
يظهر التغيير في القيادة الأمريكية بوضوح من خلال إعادة هيكلة المساعدات لأوكرانيا وعلاقات واشنطن مع حلف الناتو. حيث اتخذت مجموعة “رامشتاين” الشهيرة، التي كانت تنسق الدعم العسكري لأوكرانيا، منحى جديدًا تحت قيادة بريطانيا وألمانيا، مما ساهم في غياب التمثيل الأمريكي في الاجتماعات الحيوية.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في البروتوكولات؛ بل أدى إلى تراجع قدرة واشنطن على توحيد الصفوف في الناتو. فتغيير تسمية المجموعة إلى “تحالف الدول الراغبة” يعكس الرغبة الأوروبية في الاستقلال عن التوجيهات الأميركية. واستشعر العديد من المراقبين أن هذا الأمر قد يؤدي إلى فراغ في القيادة، إذا لم تسارع أوروبا لإظهار قدراتها الفعلية.
التحفظ الأمريكي والضغط الأوروبي
يصف الباحث برايان كاتوليس من معهد الشرق الأوسط الوضع الحالي بأنه يتسم بالتقلب. ويشير إلى أن واشنطن تسعى إلى إنهاء الحرب بسرعة، لكن دون استثمار كافٍ في الوسائل العسكرية والدبلوماسية اللازمة لتحقيق ذلك. في حين تلقي تصريحات الإدارة الضوء على عدم وضوح الرؤية بخصوص نوايا موسكو، مما يعرقل فرص التفاوض.
المسار الجديد الذي اتخذته الإدارة الأمريكية في دعم أوكرانيا لا يركز فقط على كميات السلاح، بل يشمل إعادة تعريف الأهداف. فقد أشار وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ أن الوضع الحالي يتطلب المزيد من المرونة من كييف ودراسة جدية لنوايا روسيا قبل تحديد خطوات مستقبلية.
استراتيجيات التمويل والدعم
لم يعد الدعم الأمريكي عبر نقل الأسلحة بالأساليب التقليدية، بل تمثل التحول في دفع الأوروبيين لشراء الأسلحة الأميركية، وتمويل نقلها إلى كييف. وبرزت “قائمة المتطلبات الأوكرانية” كأداة لجمع الأموال لشراء الدفاعات الجوية والذخائر من الولايات المتحدة. وبحسب تصريحات الأمين العام لحلف الناتو، تعهدت الدول الأوروبية بمئات الملايين لدعم هذه المبادرة.
كما أن واشنطن تسعى إلى تعزيز هذا النموذج بدلاً من تقديم حزم دعم كبيرة بشكل مباشر. وقد يكون لقرارات تعليق بعض شحنات الأسلحة تأثير على العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا.
قيادة الناتو الأوروبية
في ضوء التغيرات الجارية في الحرب، بات السؤال المطروح لا يقتصر على “كم تدفع أوروبا؟”، بل يشمل أيضًا “من يقود الدفاع التقليدي عن أوروبا؟”. فقد تم التوجيه نحو أن يتولى الحلفاء مسؤوليات أكبر مع الالتزام بالردع النووي الأميركي.
بالتزامن مع هذه العملية، تُسلم الولايات المتحدة قيادة بعض المواقع الحاسمة في هيكل الحلف إلى ضباط أوروبيين، مما يعكس تحولًا نحو استقلالية أوروبية في اتخاذ القرارات الدفاعية. على الرغم من أن هذا التحول يأتي في إطار استراتيجية أكبر تركّز على التهديدات من الصين.
نتائج متوقعة
يدخل العام الخامس من الحرب مع تحديات ضخمة تتعلق بالتمويل والقيادة، في ظل سعي واشنطن للحفاظ على دورها كقوة موازنة.
ومع ذلك، فإن التحول نحو قيادة أوروبية في الجهود العسكرية قد يطرح خطر انقسامات داخلية يمكن لروسيا استغلالها. الاختبار سيكون في قدرة أوروبا على الوفاء بالتزاماتها، وتحقيق تأثير فعّال على الأرض، مما يعزز فرص الوصول إلى سلام مستدام.


