قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتوقيع عقد مع شركة بوينغ بقيمة 2.7 مليار دولار لتدعيم أسطول الطائرات الهليكوبتر من طراز أباتشي AH-64. ويهدف هذا العقد إلى إدارة سلسلة التوريد ودورة حياة الطائرات الحالية، وليس لشراء طائرات جديدة.
مفارقة اللوجستيات
يمثل هذا العقد مثالاً بارزاً لمفارقة اللوجستيات، حيث يُدفع ثمن طائرات جديدة للحفاظ على الطائرات القديمة. في زمن الطيران الحديث، تشتري الدول ليس فقط المحركات والمكونات، بل تدفع أيضاً قيمة حقوق الملكية الفكرية. هذه المليارات لا تُستخدم في إصلاح المعدات بشكل تقليدي، بل تشمل تحديثات برمجية وإدارة سلسلة التوريد وبيانات فريدة تسيطر عليها بوينغ.
عندما تكون منصة مثل الأباتشي مليئة بتكنولوجيا استشعار متقدمة، يصبح تكلفة اللوجستيات أكبر بكثير من تكلفة الهيكل الفعلي. وبذلك، تجد وزارة الدفاع الأمريكية نفسها في نظام يفرض تكلفة أقل على شراء المعدات مقابل الرسوم المطلوبة للحفاظ على جاهزيتها القتالية. في النهاية، تدفع وزارة الدفاع مبالغ كبيرة لضمان عدم تحوّل الطائرة إلى مجرد معروض في متحف.
ربحية الصيانة مقارنة بالإنتاج
من منظور الاستثمار، فإن بناء هيكل جديد يعد عملية مكلفة ذات هامش ربح منخفض. بينما تأتي الأرباح الحقيقية من الصيانة، التي توفر تدفقاً مالياً مستمراً. من خلال إدارة نظم الصيانة، تضمن بوينغ دخلاً ثابتاً في حين أن الإنتاج الجديد يُعاني من ضغوط الأسعار والمراجعات الحكومية.
احتكار المورد وتأثيره على المنافسة
سوق صيانة الأباتشي لا يعد سوقاً حراً، بل يعتبر احتكاراً خاضعاً لحقوق البيانات التقنية. بوينغ تسيطر على الهيكل البرمجي الخاص بالأباتشي، مما يجعل المنافسة شبه مستحيلة. فعلى الرغم من امتلاك وزارة الدفاع الأمريكية للطائرات، إلا أنها تفتقر إلى “الخطط” الضرورية للدماغ الرقمي للطائرة، ما يجعل من الصعب الانتقال إلى مزود آخر.
- احتكار الكود المصدر: تسيطر بوينغ على الهيكل الرقمي، مما يمنع الشركات الأخرى من تقديم خدمات صيانة أقل تكلفة.
- إفلاس فكري: يكمن التحدي في أن الوزارة تملك الطائرات، لكنها لا تمتلك تصاريح استخدام برامجها.
- حواجز الدخول: يؤدي امتلاك حقوق الملكية الفكرية إلى إغلاق باب المنافسة في مرحلة التصميم.
بهذا السياق، فإن مفهوم “احتكار المورد” ليس مجرد خطأ في النظام، بل هو أساس نموذج الأعمال الذي أنشأته بوينغ، مما يجعل دافعي الضرائب يدفعون إيجارات على المعدات التي اشتروها فعلاً.
كيفية تجنب الأباتشي لمتطلبات MOSA
رغم طلب وزارة الدفاع الأمريكية لتبني نهج النظم المفتوحة في عقودها الجديدة، لا تزال طائرة الأباتشي محصورة داخل نظام مغلق. حيث تم دمج التكنولوجيا الاحتكارية في هيكل الطائرة لدرجة تجعل من المستحيل على أي تحديث فتح البناء البرمجي دون استئصال كامل للأنظمة الموجودة.
تحديات الناتو مع الأباتشي
المشكلة ليست في نقص المهندسين، بل في الأطر القانونية والتقنية الخاصة بالمنصة. تتطلب التعديلات البرمجية إعادة كتابة مكتبات البرمجيات المحمية بحقوق الملكية، وقد ترفض بوينغ أي تعديلات على أنظمة التحكم في النيران.
- صندوق Link 16 الأسود: لا يمكن تقطيع المكونات الجديدة دون إجراء تعديلات برمجية ضرورية.
- فخ التصديق: أي تعديل بصورة غير معتمدة من بوينغ قد يجعل الطائرة غير صالحة للطيران.
- انسداد قانوني: أي تعديل بدون إذن بوينغ سيؤدي إلى تحويل طائرة متعددة ملايين الدولارات إلى جهاز غير قابل للدعم.
أبعاد جيوسياسية
عندما توقع دول مثل بولندا وأستراليا على صفقات بمليارات الدولارات لأسراب أباتشي جديدة، فإنها تتعهد بالالتزام لعدة عقود. العقد البالغ 2.7 مليار دولار ليس سوى بداية لسلسلة من الالتزامات. تكتشف الدول الجديدة سريعًا أن الملكية الفعلية للطائرات لا تعني الاستقلالية الفعلية.
إكراه النظم البرمجية
العداء لا يتمثل في توافر قطع الغيار، بل في الاعتماد التشغيلي على كود المصدر الخاص ببوينغ. إذا قررت دولة استخدام أسطولها بما يتعارض مع مصالح واشنطن، فإن التحديثات البرمجية يمكن أن تتوقف، حيث تعتبر تصريح البرنامج بمثابة حظر.
هذا هو الشكل الأقصى من النفوذ الجيوسياسي. تضمن صيانة الأباتشي بقاء الحلفاء ضمن الدائرة الأمريكية من خلال الاعتماد على الكود الذي يحافظ على فعالية أسلحتهم الأساسية.
نتائج “آيفون” ساحة المعركة
في الوقت الذي يبدو فيه أن وزارة الدفاع تمتلك طائراتها، فإن شركة بوينغ تفرض نموذجًا يعيد تشكيل مفهوم الملكية. مثلما لا تستطيع تعديل جهاز آيفون ثقيل البرمجيات دون إذن، لا يمكن للجيش التعامل مع أنظمة الأباتشي بدون موافقة بوينغ.
وجهة أموال الضرائب
عند الحديث عن عقد بقيمة 2.7 مليار دولار، لا تتخيل مستودعات مليئة بالمكونات، بل يتبخر جزء كبير من ذلك المبلغ في سحابة حقوق الملكية الفكرية.
- رسوم الوصول: تدفع لفرصة تشغيل الكود الذي يوجه الأسلحة.
- تحديثات رقمية: تُستثمر المليارات في تحديث البرمجيات للحفاظ على تكامل الأنظمة.
- إقطاعية التراخيص: يمول دافعو الضرائب المعدات، لكن الهوامش الحقيقية تذهب إلى بوينغ.
أفق الحروب البرمجية
بحلول عام 2030، سيتلاشى الخط الفاصل بين وادي السيليكون وصناعة الدفاع. نحن في عصر تتجاوز فيه البرمجيات أهمية الفولاذ. بالتالي، فإن تكلفة “الهيكل” ستستقر، بينما سترتفع تكلفة الأهمية الرقمية بشكل حاد.
هذا العقد البالغ 2.7 مليار دولار يوضح كيفية تحديد السلطة في النزاعات الحديثة. الانتصار لم يعد لمن يملك المعدات، بل لمن يملك الكود. إذا لم تكن تملك البيانات، فأنت مجرد مستأجر في المعركة.


