spot_img
الخميس 8 يناير 2026
26.4 C
Cairo

القصة ذاتها بلا خجل

البلطجة الأمريكية من العراق إلى فنزويلا

spot_img

ما جرى فجر اليوم –إن صحت الروايات الأمريكية نفسها– لا يمكن توصيفه إلا باعتباره انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وسيادة الدول، وسلوكًا يعيد إلى الأذهان أكثر الصفحات ظلامًا في تاريخ أمريكا. أن تقوم دولة توصف بأنها عظمى وتقود العالم نظريًا باسم “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان”، بعملية عسكرية داخل دولة ذات سيادة وخطف رئيسها وزوجته، هو فعل فجّ في مضمونه، واستعماري في جوهره، وخطير في تداعياته.

ادعاءات قديمة بوجه جديد

الخطاب الأمريكي الذي قاده دونالد ترامب في هذا الملف ليس جديدًا. الاتهامات الجاهزة:
– مخدرات
– فساد
– تهديد للأمن العالمي
– حماية “الشعب” من قيادته

كلها شعارات سمع العالم مثلها من قبل. سمعها عندما أُحتلت العراق وأُعدم الزعيم صدام حسين، بحجة امتلاك أسلحة دمار شامل، ثم اكتشف الجميع –بعد أن دُمّرت الدولة وسُرقت ثرواتها– أن تلك الأسلحة لم تكن موجودة أصلًا، بل وببجاحه اعترفت أمريكا نفسها بذلك، بعد أن أدت الكذبة وظيفتها، والنتيجة كانت ملايين الضحايا، ونهب الموارد، وتفكيك دولة كاملة.

فنزويلا ليست استثناءً.. بل حلقة جديدة

فنزويلا تمتلك ما لا تحبه واشنطن:
سيادة مستقلة، قرار سياسي غير تابع، وأكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.
هذه المعادلة وحدها كافية لتفسير كل ما يجري، دون الحاجة لتصديق الروايات الأمريكية “الأخلاقية”.

الهدف الحقيقي ليس “مكافحة المخدرات”، ولا “إنقاذ الشعب الفنزويلي”، بل كسر إرادة دولة رفضت أن تكون حديقة خلفية للولايات المتحدة، ورفضت أن تسلّم مواردها لشركات عابرة للقارات تحت غطاء الديمقراطية.

لماذا الآن؟

لأن فنزويلا:

  • لم تخضع للضغوط الاقتصادية والعقوبات
  • وسّعت علاقاتها مع قوى دولية منافسة لواشنطن
  • اتخذت مواقف سياسية مستقلة، منها دعمها العلني لفلسطين التي ينتهك حقها وأرضها من قبل الابن المدلل لواشنطن، بل ورفضها للهيمنة الأمريكية

هذه المواقف، في العقل السياسي الأمريكي، تُصنّف كـ“تمرد”، والتمرد –وفق هذا المنطق– لا يُناقَش، بل يُعاقَب.

ترامب.. سياسة رجل الأعمال

دونالد ترامب لا ينظر للعالم كمنظومة دول، بل كـصفقات.
من يطيع يُكافأ، ومن يرفض يُسحق.
ولا مكان في هذا المنطق لقانون دولي أو شرعية أممية، بل فقط لمنطق القوة والابتزاز، وهو ما يجعل هذا التدخل –إن ثبت– تعبيرًا فجًّا عن سياسة الغابة في ثوب رئاسي.

الخطر الحقيقي: سابقة تهدد الجميع

الأخطر من فنزويلا نفسها هو تكريس سابقة خطيرة:
إذا كان من حق دولة أن تخطف رئيس دولة أخرى بالقوة، فمعنى ذلك أن:

  • سيادة الدول أصبحت بلا قيمة
  • القانون الدولي مجرد ديكور
  • العالم يعود رسميًا إلى منطق الإمبراطوريات

واليوم فنزويلا، وغدًا أي دولة ترفض الانصياع.

ما حدث في فنزويلا ليس دفاعًا عن القانون، بل اغتيال له.
ليس حماية للشعوب، بل إعادة إنتاج للاستعمار بأدوات حديثة.
وليس حربًا على الجريمة، بل حربًا على الاستقلال السياسي والاقتصادي.

التاريخ علّمنا أن الأكاذيب قد تنجح مؤقتًا، لكن الحقيقة تظهر دائمًا، وأن الدول التي تُنهَب باسم الحرية لا تنسى، والشعوب التي تُقهر لا تستسلم إلى الأبد.

فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة مستهدفة، بل مرآة تعكس الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية عندما تتعارض المصالح مع المبادئ.

اقرأ أيضا

النشرة الإخبارية

اخترنا لك