الأرض لا تعرف الحياد

للخليج العربي.. أين السيادة يا سادة؟!

spot_img

أين السيادة يا سادة؟.. فسيادة الدولة ليست مجرد علم يرفرف! وإنما تكمن السيادة في سلطة الدولة الفعلية على ما يحدث فوق أرضها وتحت سمائها.

ما حدث ويحدث من استخدام القواعد العسكرية الأمريكية -الموجودة فوق أراض دول خليجية- كنقطة انطلاق لضرب إيران، هو انتهاك لسيادة الدول الخليجية، وبمنظور عسكري لا يمكن أن تلام إيران في ردها الدفاعي، ففي ميزان الحسابات الاستراتيجية والعسكرية، الخصوم لا يفرّقون بين “القرار” و”موقعه” فقط ينظرون إلى الخريطة: من أين جاءت الضربة؟ ومن أين ستأتي الضربة القادمة؟

أمريكا اتخذت القرار بضرب إيران، وللأسف الدول الخليجية التي تستضيف القوة العسكرية الأمريكية هي من تتحمل تبعات هذه الضربات، بعد أن أُجبرت على الدخول في معادلة الصراع، وهنا قد تقول حكومات تلك الدول إن القرار العسكري هو أمريكي خالص، وإن القواعد تعمل وفق اتفاقيات دفاعية، لكن سيظل السؤال: من أين جاءت الضربة؟ وهل على إيران أن تترك الضربات تأتيها من القواعد الأمريكية الموجودة على أراض عربية؟!.. فالرد على مصادر الهجوم -أينما كانت- يدخل ضمن مبدأ الدفاع عن النفس.

معادلة الردع

هذا ليس تبنّيًا لموقف، أو تبرير للهجوم الإيراني على عدد من دول الخليج، بل توصيف لمنطق تقليدي في العلاقات الدولية: مصدر الاعتداء أو الهجوم يصبح هدفًا مشروعًا في معادلة الردع، فدول خليجية مثل قطر والبحرين والكويت والإمارات ومؤخرا السعودية بنت استراتيجياتها الأمنية على التحالف الوثيق مع واشنطن، هذه الدول كانت تنظر للوجود العسكري الأمريكي كضمانة استقرار، وحائط صدّ أمام أي تهديدات إقليمية.
لكن هذا الاستقرار والردع له شرط أساسي، وهو أن يبقى هذا التواجد العسكري في إطار “منع الحرب” لا أن يتحول إلى منصة لإدارتها، فحين تُستخدم القواعد في عمليات هجومية مباشرة، تنتقل الدولة المستضيفة -شاءت أم أبت- من موقع الردع إلى موقع الانخراط غير المباشر في الصراع والحرب.

مظلة حماية أم قاعدة اشتباك؟!

وهنا تكمن المفارقة، الدول التي تسعى إلى حماية نفسها عبر التحالفات قد تجد نفسها -بفعل تلك التحالفات ذاتها- أكثر عرضة للخطر إذا تحولت القواعد إلى منصات هجوم.

الفرق بين “مظلة حماية” و”قاعدة اشتباك” ميدانيًا هو فارق بين حياة أو موت، فإذا أصبحت القاعدة هدفًا مشروعًا في نظر الخصم، فإن الدولة المضيفة تدخل تلقائيًا في دائرة الخطر، سواء شاءت أم أبت.التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وضع عددًا من الدول العربية أمام حقيقة قاسية: استضافة القواعد العسكرية الأجنبية ليست تفصيلًا تقنيًا في معادلة الأمن، بل قرار استراتيجي كامل الأثر، كامل التبعات.

السيادة ليست بندًا في اتفاقية، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات.. السيادة تعني أن الأرض لا تُستخدم في عمل عسكري إلا بإرادة سياسية واعية من الدولة، لأن الدولة هي من تتحمل نتائجه كاملة، وإذا كانت القواعد الأجنبية تنطلق منها عمليات هجومية، فإن الادعاء بالحياد يصبح هشًّا أمام منطق الصراع.

ماذا قال التاريخ؟

في ظل التصعيد الخطير الذي تقوده واشنطن وتل أبيب، بعيدًا عن القرار العربي الخليجي، تقف المنطقة على حافة الهاوية، في معادلة خطرة، ذلك التصعيد المحسوب قد ينقلب إلى مواجهة مفتوحة، وكل طرف يعتقد أنه يمارس حقه في الرد أو الدفاع، وهنا علينا أن نراجع صفحات التاريخ التي تعلمنا أن الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار شامل، بل بسلسلة ردود يظن كل طرف فيها أنها محدودة.

أسئلة استراتيجية

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح ويظل مفتوحا: هل أمن المنطقة يُبنى على استضافة القوة، أم على تقليل احتمالات استخدامها من الأساس؟ وهل المكاسب الأمنية قصيرة المدى تبرر المخاطرة بإدخال الداخل الوطني في مرمى نيران صراع لا تتحكم الدولة المستضيفة في قراره ولا توقيته؟، ليس المطلوب قطع التحالفات، ولا الانسحاب من التوازنات الدولية، بل إعادة تعريف الخط الفاصل بين الردع والانخراط، لأن الأرض التي تُستخدم لإطلاق النار، تصبح -شئنا أم أبينا- جزءًا من مسارها.

الخطورة الأكبر تكمن في أن الضربات المتبادلة قد تتحول من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي أوسع، خاصة إذا تكررت الهجمات من أراضٍ متعددة، عندها تصبح المنطقة بأكملها أمام سيناريو تصعيد مفتوح، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالاقتصادية.

اقرأ أيضا

النشرة الإخبارية

اخترنا لك