تركيا والولايات المتحدة.. مفاوضات دبلوماسية مكثفة
أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالًا هاتفيًا بنظيره الأمريكي دونالد ترامب لبحث ملف مشاركة أنقرة في برنامج مقاتلات F-35، في محاولة لإنهاء سنوات من الجمود الذي أثر على الشراكة داخل حلف الناتو، وفق مصادر دبلوماسية مطلعة.
جاءت المحادثة بعد سلسلة تحركات دبلوماسية شملت زيارة وزير الخارجية التركي خلوصي أكار إلى واشنطن، واجتماعات مكثفة مع مبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف، بهدف إيجاد حلول لاستبعاد تركيا من البرنامج العسكري أو تعويضها عن استثماراتها التي تجاوزت 1.4 مليار دولار.
جذور الأزمة.. صفقة الصواريخ الروسية
تعود أزمة F-35 إلى قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 عام 2019، ما دفع واشنطن لاستبعادها من برنامج المقاتلات المتقدمة. أصر المسؤولون الأمريكيون على أن النظام الروسي قد يعرض التكنولوجيا السرية للطائرات للخطر، بينما اعتبرت أنقرة القرار “عقابًا غير مبرر”.
خسرت تركيا خلال هذه الأزمة 6 طائرات F-35 جاهزة كانت مخزنة في قواعد أمريكية، بالإضافة إلى فرص تصنيع 900 مكون تقني كانت شركات محلية مثل “تركيش أيروسبيس” و”أسيلسان” تنتجها ضمن سلسلة التوريد العالمية للبرنامج.
مشروع KAAN.. محاولة تركية للانعتاق
دفع الاستبعاد الأمريكي تركيا لتسريع تطوير مقاتلتها الوطنية “كاهن” (KAAN) ضمن مبادرة TF-X التي أطلقتها عام 2016. نجحت الطائرة ذات المحركين في إتمام رحلتها الأولى فبراير الماضي، مستخدمة محركات General Electric F110 الموجودة في أسطول F-16 التركي.
تستهدف أنقرة إنتاج طائرتين شهريًا بحلول 2029، مع تطوير محرك محلي بالكامل عبر شركة TRMotor. لكن خبراء مثل ريتشارد أبولافيا يحذرون من حاجة المشروع لـ15 عامًا إضافيًا لتحقيق النضج التشغيلي الكامل.
فاتورة الصيانة.. اشتعال الجدل المالي
كشفت وثيقة للبنتاغون عن مطالبة تركيا بدفع 30 مليون دولار مقابل صيانة طائراتها الست المخزنة في الولايات المتحدة منذ 2022، تشمل تحديثات البرمجيات والحفاظ على الهياكل. رفضت أنقرة السداد، معيدة المطالبة باسترداد استثمارها الأصلي أو تسليم الطائرات.
تحمل هذه المقاتلات الرقم التسلسلي Block 3F، وتتمتع بقدرة تشغيلية كاملة مع إمكانية حمل صواريخ AIM-120 المتقدمة وقنابل GBU-31 الذكية، بالإضافة إلى تقنية التخفي الراداري ومدى عملياتي يصل إلى 1200 ميل.
مستقبل العلاقات.. بين المطرقة والسندان
تشير مصادر وزارة الدفاع التركية إلى استعداد الطرفين لخوض مفاوضات فنية، لكن العقبات السياسية تظل قائمة. اقترحت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند خلال زيارة أكار الأخيرة تخزين أنظمة S-400 في قاعدة إنجرليك تحت إشراف أمريكي، لكن أنقرة رفضت المساس بما تعتبره “أصولًا سيادية”.
تبقى التحديات الاقتصادية حاضرة بقوة، حيث خسرت تركيا 9 مليارات دولار من عوائد التصنيع العسكري وفق تقديرات مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، بينما اضطر البنتاغون لإعادة توزيع مهام الإنتاج على شركاء آخرين في البرنامج.
تشكل المحادثة الهاتفية الأخيرة بين القائدين فرصة لاختبار نوايا الطرفين، في وقت تسعى فيه أنقرة لتعزيز مكانتها الجيوسياسية بين الشرق والغرب، بينما تحاول واشنطن الحفاظ على تماسك الحلف دون المساس بأمنها التكنولوجي.